حنان دغيش تحلق في فضاء الواقع والخيال
منوعاتيونيو 21, 2007, 12:24 ص 580 مشاهدات 0
نقلا عن الوطن: تأخذنا الحياة كثيراً وتدفع بنا إلى أتونها، فندور ونلهث دون تأمل
ما يموج به عالمنا من أحداث وصراعات ومآس. وهكذا كان حال المهندسة حنان سليمان
دغيش،المتخصصة في تصميم الجرافيك، إلى أن قررت عند لحظة معينة الحصول على اجازة عمل
تسمح لها بالتقاط أنفاسها وتأمل الحياة من حولها. فهالتها صورة الواقع السوداوية،
مما دفعها إلى اللجوء لعالم الابداع الروائي كي تعبر من خلاله عن تصورها لمستقبل
العالم في ضوء ماهو قائم في الحاضر.
وتدفع بالقارئ إلى التساؤل حول مصير شعوب العالم الثالث في هذا الزمن الذي تعلو فيه
الصيحات. وتتوالى نظريات تنادي بالبقاء للأصلح وتنقية الجنس البشري.
وبعد انتهاء اجازتها أطلت علينا بروايتها الأولى الصغيرة الحجم ' العد التنازلي
'. التي حمّلتها أسئلة كبرى حول مصير الانسان في عالمنا الثالث، وما يمكن أن يكون
في انتظاره في المستقبل القريب. وذلك من خلال طرحها فكرة فانتازية، تدور حول اعلان
بثته وسائل الاعلام مفاده أن نتيجة البحوث العلمية التي عكف عليها العلماء لسنوات
للخروج من المأزق الذي يعيشه كوكب الأرض ( بلوغ عدد سكانه عشرة مليارات نسمة. مما
أدى إلى نقص الموارد وزيادة نسبة التلوث البيئي. بجانب اتساع الهوة بين الحضارات )،
وبناء على ذلك أصبح من الضروري خفض عدد السكان إلى تسعة مليارات. حتى تتوازن
الموارد مع عدد السكان، وحتى يمكن نشر مساحات خضراء. وزيادة نسبة الأكسجين في
الهواء.
ثم تلا ذلك قراءة تقارير صفوة علماء الدول العظمى والمعنيين بالبحث العلمي. والتي
أظهرت تفشي الفقر والجهل والمرض في دول العالم الثالث. واحتدام الصراعات الطائفية
والعرقية، وأنظمة التعليم المنتجة لعقول صدئة. وفشل كل جهود الدول العظمى للارتقاء
بتلك الشعوب نتيجة لعدم قابليتها للتطور. وأخيراً أعلن القرار الصادم وهو اعطاء هذه
الشعوب مهلة خمس سنوات يستثنى منها الأطفال دون الثامنة، وكذلك المفكرون والعلماء
ومن ينجح في الاختبار العقلي الذي أعده صفوة العلماء، وترحيلهم لإبادة باقي السكان
بواسطة غاز سام من شأنه القضاء فقط على الإنسان دون النبات والحيوان.
فانتازيا الواقع
وقد طرح هذا العمل الروائي للمناقشة في إحدى ندوات ورشة الزيتون الابداعية، التي
أدارها الشاعر شعبان يوسف مستهلاً الندوة بالإشارة إلى ظاهرة تحول بعض الشعراء إلى
كتابة الرواية مثل الروائية أحلام مستغانمي وغيرها، وجذب السرد للكثيرين من الكتاب
في السنوات الأخيرة، ثم نسب موضوع الرواية إلى الخيال العلمي،ووصف بطلة الرواية
بالهيمنة، والشخصيات فيها بالنمطية البسيطة، مشيرا أيضاً إلى المباشرة في بعض فقرات
النص مما صبغه بالصبغة التعليمية، واحتواء النص على بعض الأخطاء اللغوية.
وقدم د. صادق الطائي رؤية نقدية بعنوان ' فانتازيا الواقع '، بدأها بالحديث عن
كثرة ماطرح في تاريخ البشرية من نظريات عنصرية، تتناول موضوعات حول العرق النقي
والدم النقي والجنس النقي والعقل الأقوى والبقاء للأصلح، وآخرتقليعاتها فك شفرة
الحمض النووي، وما نتج عنها من خرائط هندسية جينية، تهدف لتعضيد فكرة الفروق بين
الأجناس البشرية.
ثم أردف معبراً عن رأيه في أن الرواية رغم صغرها، حملت عناء أسئلة كبرى مثل (كيف
نلحق بالأمم التي تفوقت علينا ؟ ما الذي أوصلنا إلى هذه الحال ؟، ما الأسباب وراء
لجوء الشباب للهروب بتعاطي المخدرات أو التطرف الديني ؟ )، كما طرحت إشكالية تمثل
محوراً أساسياً في هموم مجتمعات العالم الثالث، التي تطرح على نفسها سؤالاً مركزياً
وهو ( ما هو طريق النهضة ؟ وما هي سبل سلوكها له؟ )، وألبست الواقع السودوي لباس
الفانتازيا، الذي تعجب لاعتذارالكاتبة في فاتحة كتابها عن استخدامه، والذي رآه
غيرملائم وبه بعض الثغرات، موضحاً ذلك بقوله أن الكاتبة لم تعط لنفسها حرية التحليق
في عالم الخيال العلمي الممثل لتيمة الرواية، فكلما حلقت قليلاً في الفضاء سرعان ما
تهبط إلى أرض الواقع، لا تريد الكف عن التحديق في مأساته.
ورأى أن الثوب الفانتازي لخص حقيقة أمر واقع، وكثف فكرة تهديد الموت لمجتمعات تتعفن
دون محاولة الفكاك من واقعها، وإن كان الحال في الواقع ربما لطول الفترة الزمنية لا
يظهر بهذه القسوة، وعن بطل الرواية مدرس اللغة الأنجليزية، الذي بدا في النص مثقفاً
مأزوماً، رغم انشغاله طوال يومه بعمله والدروس الخصوصية، محاولاً اقتطاع ساعة
لقراءة الصحف وسماع الموسيقى الكلاسيكية، تساءل صادق الطائي عن كيفية امتلاك مثل
هذا النموذج لعقل نقدي وكيف وهو الرافض لشكل النظام التعليمي الرسمي بكل مشاكله،
يرى الحل في إنشاء مركز خاص للدروس الخصوصية، التي تعد عاملاً من عوامل نخر جسد
التعليم، كيف يكون هذا البطل ممتلكاً مفاتيح الحل ؟، وكيف يحاول هذا البطل رسم
مستقبل مغاير لطلبته، وهو الممنوع من قبل زوجته من التدخل في رسم مستقبل أولاده ؟.
وأوضح أن الرواية احتوت على إشارات جزئية مثل لجوء الدولة إلى تخدير العقول، بواسطة
تعاملها مع المشكلة من خلال اللجوء إلى الماورائيات، واغراق المجتمع أكثر في
مأساته، وتركه يبحث في الأعشاب والمخ الصيني عن حل لمأساته، وختمت بكلمة حكمة تحمل
الرسالة التي أرادت الروائية تقديمها من خلال النص. ثم ختم مداخلته واصفاً الرواية
بمشروع رواية، خرجت إلى النور وهي تحتاج إلى مزيد من الاشتغال عليها في أكثر من
مكان.
حالة سقوط
أما الباحث حسن سرور فقد توقف عند عنوان الرواية، الذي رآه معبراً عن حالة سقوط
وإشارة بليغة للوصول إلى نهاية ما، كما اختلف مع تصنيف العمل على الغلاف بالرواية،
ومال إلى تصنيفه كقصة قصيرة طويلة، كتبت بلغة تقريرية مباشرة وبروح مصلحة اجتماعية،
وبأسلوب يمكن وصفه بالفانتازيا السوداوية، وصفت شخصياته ولم تبن جيداً، كذلك
الأماكن فيها غير موصوفة بدقة، لكنه رأى أن فكرة العمل واهتمامه بالمسائل الجمعية
والقضايا الكبرى يحسب له، كذلك الاستخدام الجيد للأساطيرفيه.
وأتفق مع د. صادق حول اختلاف صورة ( السنتر ) التعليمي في الواقع ـ الذي واكب ظهوره
خصخصة التعليم الجزئية وانتشار المدارس الخاصة ـ عن الصورة التي قدمتها له الكاتبة
كمنبر للرأي أوبديلاً للحزب السياسي، يتوجه الجميع إليه وإلى قائده مدرس اللغة
الانجليزية للتحاور؟
وعبر حسن بدارعن اعجابه بفكرة الرواية، واستخدام الكاتبة لضمير الغائب، وإجادتها
إبراز ردود أفعال الشخصيات في مواجهة الخبر، وأشار إلى غلبة الحوار على العمل مما
أدى إلى مسرحته أو تحويله إلى سيناريو سينمائي، وأخذ على النص الأطناب في مناطق
مختلفة، والإسراف في الوصف الذي لا يفيد النص.
وصنف هشام العربي العمل كأقصوصة مسرحية، نجحت الكاتبة في مزجه بالسيناريو
السينمائي، ورأى أن فكرة العمل جميلة، نجحت الكاتبة في تصوير حالة الفزع، لكنها لم
توفق في توظيفها بشكل جيد، والحوار فيه راقي أدبياً، لكن الأخطاء اللغوية والمطبعية
كثيرة.
وقدم أحد الحضور تأويلاً للغلاف يقول بأن العلم والجهل معاً سيقضيان على الكرة
الأرضية، ورأى أن الحبكة القصصية وتجسيد الشخصيات ينبئان بروائية جيدة. بينما رأى
آخر مشاكل في لغة الرواية، وتحدث عن أهمية كثرة القراءة للروائي، وأثرها على جودة
أعماله الأدبية، كما طرحت إحدى الشاعرات تساؤلين هما ( ماهو سقف الفانتازيا المسموح
بها للقارئ ؟ وما هي معاييرتصنيف العمل الأدبي ؟)،
وفي ختام الندوة تحدثت الكاتبة عن أن الدافع وراء كتابتها للعمل هو ما يعانيه
عالمنا العربي على يد القوى العظمى، وتقدم العلوم في العالم بشكل كبير، وأن فكرة
الرواية ولدت في رأسها صدفة وهي تطارد ناموسة أزعجتها في نومها، مما دفعها إلى
مطاردتها ورشها بمبيد حشري.
القاهرة:آلان

تعليقات