تخفيض العملة وسيلة مضللة لتبرير مستويات المعيشة المتدنية بقلم فيليب ستيفنز

الاقتصاد الآن

1304 مشاهدات 0


مضى ذلك الزمن عندما قاتل رئيس الوزراء البريطاني بالأسنان والأظافر للدفاع عن الاسترليني. كان الجنيه القوي علامة على القوة الاقتصادية. وبالنسبة إلى كليمنت أتلي، وهارولد ويلسون، وجون ميجور، كان انخفاض قيمة العملة اعترافا مخزيا بالهزيمة. لقد تغير كل ذلك. الآن يُعتبَر ضعف العملة علاجاً شافياً. حتى محافظ بنك إنجلترا يدعم معادلة العصر الحديث تلك لتقليم العملة. يجب أن يتقلب أسلاف السير ميرفين كينج اللامعين في قبورهم.

هناك شعور واضح باليأس في أروقة السلطة. لقد فقدت بريطانيا تصنيفها الائتماني الثلاثي الثمين. الاقتصاد، وفقاً لما أظهرته أحدث أرقام الناتج المحلي الإجمالي، مسطح على ظهره. وخيارات الحكومة آخذة في النفاد. وهذا الأسبوع أشار بول تاكر، نائب محافظ بنك إنجلترا، إلى أن السلطات قد تضطر إلى النظر في إدخال ''أسعار الفائدة السلبية'' عن طريق فرض ضريبة على الودائع من البنوك التجارية. وتاكر ليس الشخص الذي يجب أن نتجاهل أفكاره بسهولة.

بالنسبة للآخرين، تخفيض قيمة العملة هو اللقطة الأخيرة في خزانة واضعي السياسات. وحتى قبل تراجعه الأخير، كان الجنيه الاسترليني يقل 20 في المائة عن مستويات ما قبل الانهيار أمام عملات شركاء بريطانيا التجاريين. وتراجع بنسبة 6 في المائة منذ بداية عام 2013. واعتقد كل من بنك إنجلترا ووزارة المالية أن تلك العلامات لديها وسيلة ما للذهاب من أجل إمالة الاقتصاد بعيداً عن الاستهلاك المدفوع بالائتمان نحو الاستثمار والصادرات. وقد ترك تخفيض التصنيف الائتماني وصمة في جبين الحكومة، لكنه قد يعطي أيضاً سعر الصرف دفعة أخرى لأسفل.

وكانت بريطانيا تخفض قيمة العملة خلال السنوات الـ 60 الماضية. وإذا وضعنا جانبا جولات الوفرة العرضية (يتبادر إلى الذهن ازدهار نفط بحر الشمال في أوائل الثمانينيات)، كانت الأمور تتجه إلى أسفل بلا هوادة. وعندما استحدثت ألمانيا الغربية المارك الألماني في عام 1948، كان يمكنك شراء أكثر من 13 منها مقابل جنيه واحد. وإذا احتفظت ألمانيا الموحدة بعملتها الخاصة، كان معدل اليوم سيكون أقل من اثنين مقابل الجنيه.

عندما تكون أسعار الصرف ثابتة، يكون تخفيض قيمة العملة عبارة عن لحظات رائعة من الدراما. وقليلون ممن عاشوا تلك الحقبة سينسون استسلام ويلسون إلى الأسواق في عام 1967، أو الكارثة التي حلت بميجور عندما اضطر الاسترليني إلى الخروج من آلية سعر الصرف الأوروبي في عام 1992. وقد سعى ويلسون إلى توجيه اللدغة عن طريق القول إلى الناخبين: إن ''الجنيه في جيبك'' لم يتأثر. كان ذلك غير صحيح على الإطلاق. تخفيض قيمة العملة، مثل التقشف، يخفض مستويات المعيشة. لكن بشكل أقل شفافية. هذه المخادعة أكثر وضوحاً في عصر أسعار الصرف العائمة. والحسابات السياسية هي أنه، في حين قد يتذمر الناخبون من الحصول على عدد أقل من الدولارات أو اليورو للإنفاق أثناء العطلة، إلا أنهم أقل عرضة لملاحظة التأثير على القوة الشرائية في الداخل، خصوصا عندما يحدث الانخفاض على مدى أشهر وسنوات.

النظرية الاقتصادية لتخفيض قيمة العملة هي صوت سطحي بقدر ما السياسة مغرية. فقد واجهت بريطانيا صراعا لا ينتهي حول التمسك بقدرتها التنافسية العالمية. وعندما تتراجع (كما هو الحال دائماً) من السهل فرض تعديل من خلال سعر صرف أقل بدلا من تجميد الأجور أو رفع الإنتاجية -ما يسمى تخفيض قيمة العملة الداخلي الذي تفضله دول العملات الصعبة مثل ألمانيا. والجنيه الأضعف، بطبيعة الحال، يعني بطريقة أخرى تضخما أعلى. وقد تعتقد الحكومة الحالية أنه ليس شيئاً سيئاً. فالتضخم يقوض العبء الحقيقي للديون العامة- وبريطانيا تنوء بكم ضخم من الديون.

عندما أعلن جورج أوزبورن، وزير المالية، عن خطته للتقشف المالي بعد انتخابات عام 2010، تم طمأنته من جانب كبار الموظفين في الوزارة بأن تأثير الانكماش الناشئ عن الزيادات الضريبية وتخفيضات الإنفاق سوف تتم موازنته بواسطة السياسة النقدية المرنة. و''إعادة التوازن'' الأسطورية نحو الاستثمار والصادرات قد تحدث تلقائياً وبذلك سوف يختفي العجز. وتبين أن الأمر ليس كذلك. لكن التخلي عن الاستراتيجية يجرّد أوزبورن من صدقيته المتبقية.

وتخفيض قيمة العملة يفيد في بعض الأحيان. وقد تزامن هبوط الجنيه الاسترليني عقب خروجه من آلية سعر الصرف الأوروبية مع تقشف مالي حاد. وكان الاقتصاد العالمي ينمو بقوة وكانت أسعار السلع الأساسية هادئة. والاقتصاد البريطاني يتعافى دون أي تسارع كبير في معدل التضخم. لكن في أكثر الأحيان تكون هناك خسارة سريعة للمكاسب التنافسية من انخفاض الاسترليني أمام الأسعار المحلية وزيادة الأجور. وكانت عملية إعادة التوازن انتقالية.

الآن، هناك مؤشرات قاتمة بأن تخفيض قيمة العملة يخسر حتى فاعلية المدى القصير. وأحدث تقرير عن التضخم من بنك إنجلترا يرسم صورة قاتمة لأداء التجارة في بريطانيا. كما أن هناك رصدا لكثير من قيود القدرة التنافسية المفروضة على الاقتصادات الأوروبية الأخرى بسبب اليورو. لكن حتى من دون أن تكون لهم القدرة على تخفيض سعر الصرف، حقق منافسو بريطانيا الأوروبيون أداء أفضل على صعيد الصادرات. ومن خلال تحليل بنك إنجلترا، شهدت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، إضافة إلى ألمانيا صادراتها تنمو بشكل أسرع منذ منتصف عام 2009 أكثر مما شهدته بريطانيا.

وجزء من التفسير يكمن في ارتفاع نسبة الصادرات التي تستأثر بها الخدمات المالية والمرتبطة بها. لكن حتى هنا، فقدت بريطانيا حصتها في السوق. مارتن ويل، عضو لجنة السياسة النقدية التابعة لبنك إنجلترا، لاحظ أخيرا أن ضعف الجنيه لم يفعل شيئا لإغلاق العجز في الحساب الجاري: ''ومن هذا المنظور يبدو أن المملكة المتحدة لم تحرز أي تقدم مع إعادة التوازن''، لأن بريطانيا لا تنتج ما يكفي من السلع والخدمات التي يرغب الآخرون في شرائها -وفقاً لما أكدته بيانات التصنيع بالأمس.

بدءاً من هنا، يمكنك أن ترى لماذا ترى الحكومة تخفيض قيمة العملة الخيار الوحيد. المشكلة، كما قال السير ميرفين ذات مرة، هي أن السياسات التي تبدو منطقية جداً على المدى القصير يمكن أن تصطدم مع وجهة نظر طويلة الأجل تتميز بالذكاء. هذا بالضبط هو الحال مع تجربة المملكة المتحدة الطويلة مع تخفيض قيمة العملة.

لقد أثبت الجنيه الضعيف، في أفضل الحالات، أنه مسكن، وفي كثير من الأحيان، عذراً قصير العمر لإرجاء خيارات سياسة أكثر صرامة. ويحتاج الاقتصاد حقا إلى ''إعادة توازن''، لكن للقيام بذلك يحتاج لمعالجة نقاط الضعف الهيكلية العميقة -من البنية التحتية إلى العلوم، ومن التعليم إلى السياسة الصناعية- التي تكبح الأعمال التجارية. وتخفيض قيمة العملة يعد نوعا من الإدمان. وهو أيضاً بمثابة اعتراف بالهزيمة.

المشكلة هي أن السياسات التي تبدو منطقية جداً على المدى القصير يمكن أن تصطدم مع وجهة نظر طويلة الأجل تتميز بالذكاء.

الآن:الاقتصادية

تعليقات

اكتب تعليقك