حقائق مثيرة تكشفها ندوة إنتاج المعرفة في العالم العربي:
منوعاتمترجم ثلاثية محفوظ تجاهل كفاح المصريين في ثورة 1919وانشغل بفحولة سي السيد
يوليو 8, 2007, 3:28 م 223 مشاهدات 0
القاهرة ـ الآن:
دوماً يطرح السؤال علي هذا النحو: ماذا نعرف عن الآخر/ الغربي، ماذا نترجم عنه،
وكيف انعكس الآخر بحضارته في كتابات المفكرين والروائيين والمثقفين العرب؟ ولكن هذه
ربما تكون المرة الأولي التي يطرح السؤال متخذاً واجهة عكسية مفادها: ماذا يترجم
الغرب عنا، وكيف يرانا، وما هي مصادر معرفته بنا؟ هذا السؤال جاء في الندوة الموسعة
التي عقدت بالمجلس الأعلي للثقافة تحت عنوان »إنتاج المعرفة عن العالم العربي«
والتي أقيمت بدءاً من الاثنين الماضي ولمدة ثلاثة أيام بالتعاون مع مركز العالم
العربي للدراسات المتقدمة ببريطانيا.
قدمت الندوة بانوراما كاملة لحقول المعرفة في العالم العربي في محاولة للإجابة عما
يجب أن يترجم الغرب عنا فطرحت: »رؤي غربية حول الأدب العربي«، »ملاحظات حول الفكر
والبحث اللغوي في مصر«، »سياقات الترجمة وترجمة الأدب العربى«، »المعرفة التاريخية
في العالم العربي: إنتاج أم استهلاك؟)، »الوثائق وإعادة إنتاج المعرفة التاريخية
حول العالم العربي«.
شارك في الندوة نخبة من الباحثين والدارسين المصريين والعرب والأجانب.
في البداية يشترك كل من كلايف هولز وبول ستاركي في أن الترجمات التي تقدم للقارئ
الأوروبي عن العالم العربي غالباً ما تكون مشوهة ويجانبها الحقيقة في كثير من
الأحيان، فلا يوجد اهتمام من جانب المثقفين الأوروبيين بالأدب العربي الحديث فرواية
»الأيام« لطه حسين تم ترجمتها عام 1930 وكان المترجم الجزء الأول وبعد سبع سنوات
كاملة تم ترجمة الجزء الثاني وكان اجتهاداً شخصياً، ولكن الرأي العام الأوروبي تجاه
الوطن العربي كان مجرد شذرات هنا وهناك.
في عام 1970 بدأ الاهتمام أكثر بالأدب العربي وبدأ الناشرون يهتمون بالبلاد
المستعمرة فجاءت ترجمة »موسم الهجرة للشمال« للطيب الصالح، وكانت الترجمات يتم
اختيارها وفقاً للظروف السياسية التي يمر بها بلد الكاتب المراد ترجمة إنتاجه، وكان
لمصر موقع خاص في هذه الترجمات، زاد بعد حصول نجيب محفوظ علي جائزة نوبل، ولكن علي
الرغم من نشر كتب كاملة عن ثلاثية القاهرة لمحفوظ، إلا أن معظمها ترجمات سيئة وبها
تعبيرات أمريكية، وكذلك المقالات النقدية عن الثلاثية، التي نشرت في الصحف
البريطانية، كانت أغلبها تتناول الثلاثية باعتبارها مدخلاً للحياة الأسرية في مصر،
فلا يوجد ذكر لثورة 1919 والكفاح الوطني للمصريين في تلك الفترة، بل اهتمت الصحف
بالجوانب الجنسية للسيد أحمد عبدالجواد لدرجة أن هناك ناقداً منحازاً لإسرائيل رأي
في رواية »قصر الشوق« أفضل قطعة أدبية قدمت في القرن العشرين لأنها تركز علي وضع
المرأة المصرية في تلك الفترة والمعايير المزدوجة للتصرفات الجنسية لأحمد عبدالجواد
داخل البيت وخارجه.
فكما ترون قامت الترجمة بحذف ما رأته غير مناسب.
ويجدد كلايف هولز: أنه يوجد شيزوفرينيا عربية، فهناك لغة عربية فصحي ولغة عامية يتم
الكتابة بها، وهنا تكمن المشكلة في كتب بلغة عامية مثل أعمال أحمد فؤاد نجم وبيرم
التونسي لم يتم ترجمته في أوروبا، وبالتالي قد يختلف الأمر كثيراً في الجامعات
الأوروبية إذا ما ترجمت الأعمال العربية العامية.
كل من د. زينب الخضيري ود. مديحة دوس قدمتا شكوي في مجال تخصصهما، فبينما رأت
الأولي أنه آن الأوان بالنسبة للعرب للإقلاع عن إعادة إنتاج تلك المعرفة الغربية
المشوهة وحانت لحظة الاجتهاد والاستقلال والمشاركة في إنتاج معرفة دقيقة من خلال
تأصيل المفاهيم الأساسية سواء كانت دينية أو فلسفية أو سياسية.
تجدد د. مديحة دوس أن الدراسات اللغوية مازالت مقصورة في جامعاتنا بحجة أنها تهدد
وحدة اللغة العربية إذا ما قمنا بدراسة اللهجات إلي جانب عدم الرغبة في التعرض
لتاريخ اللغة العربية وتطورها، وهنا يجب أن نعرف أن الدراسة اللغوية ضرورة مهمة
لمعرفة جيدة للغة ومعرفة وفهم دراسة الأطر التاريخية والثقافية والاجتماعية لهذه
اللغة.
تأتي كلمة د. جابر عصفور أشبه بالتأكيد علي ما طرحته وجهتا النظر السابقة، فهو يري
أن العلاقة بالآخر/ الغربي يغلب عليها الاستهلاك والتلقي السلبي وليس التفاعل
الإيجابي، وهذا التلقي عادة ما يتم حسب بنية الإنتاج في العالم الغربي حتي في حالة
الخروج عن الثقافة السائدة والتقليدية تأتي حسب البرنامج الثقافي للمتلقي العربي،
وأقدم الأمثلة في عصرنا الحديث هو رفاعة الطهطاوي الذي لم يقبل إلا ما يتوافق مع
عقله التراثي والفلسفي، فهو يتقبل العلوم الفرنسية، ولكن يرفض بشدة وحزم أن يكون
الفرنسيون أهل شعر ونثر مقتنعاً أن العرب هم الرواد في ذلك المجال، كذلك الشاعر
الكبير أحمد شوقي الذي ذهب إلي باريس وكانت الحركة الرمزية تضج بالنشاط والحيوية،
ولكنه لم يفهم هذه الاتجاهات الطليعية.
بالإضافة إلي ذلك تراكم ثقافة غربية لا إضافة فيها، فلا يوجد ترجمة عن الجديد
المختلف حوله، بل يترجم القديم المستقر والثابت.
فالبنيوية التي أعلنت وفاتها عام 1968 مع ثورة الطلاب، هذه البنيوية جاءت ومعها
التفكيكية لم يكتب عنها مقالات نقدية عربية، إلا بعدما انتهت من أوروبا تماماً. أما
بالنسبة للمحيط السياسي والاجتماعي الداخلي والذي شهد حرية واسعة في بداية القرن
التاسع عشر لدرجة أن الزعيم سعد زغلول كتب في مناسبة افتتاح الجامعة المصرية في
مذكراته إشادة بكلمة عبد الخالق ثروت ورأي أنها أفضل الكلمات وعلق علي كلمة أحمد
زكي بأنها تقليد علي السمع لأنه تحدث عن أمور من جنس الدين وهذا لا يحدث في جامعة
لا دين لها إلا العلم.
لتتوالي الأعمال علي الجامعة وتتقلص مساحة الحرية الممنوحة، فبينما ينحاز مجلس
جامعة القاهرة لحرية البحث في بيانه الشهير تعليقاً علي فصل د. طه حسين عام 1926
بسبب تأليفه كتاب »في الشعر الجاهلي« نجد أنه منذ بداية الخمسينيات تم فصل أكثر من
مائة أستاذ جامعي، وهذا يؤدي بالضرورة إلي إعاقة نمو الجامعات المصرية، وتوجد قلة
تفاهم وهي استثناءات.
يجد د. رؤوف عباس أن المدرسة الاستشراقية التقليدية روجت إلي أن بدايات إصلاحات
القرن التاسع عشر في الدولة العثمانية جاءت نتاج الحضارة الأوروبية الحديثة بهدف
تغيير مجتمع تقليدي عاني عدة قرون من جراثيم الثقافة الإسلامية، التي تم تحميلها
مسئولية الركود المزعوم والتدهور في الدولة العثمانية وقد قام المؤرخون المصريون في
العقدين الأخيرين من القرن العشرين بدحض هذا المحور الاستشراقي المهيمن، فدراساتهم
التي تستند إلي وثائق أرشيفية عن مصر العثمانية أثبتت أن الوضع كان مختلفاً تماماً
عما رسمته المدرسة الاستشراقية التقليدية.
يتحدث توفيق إقليماندوس عن كتابة تاريخية في زمن مغاير وهي الكتابة التي تناولت
نهاية الملكية في مصر والفترة الناصرية والتي يترجم الغرب عنها، فيقول إنها انقسمت
إلي ثلاثة نماذج، وكثير من الأعمال المهمة قام بها صحفيون وبالأخص هيكل وصبري
أبوالمجد وهذه الفئات الثلاث: الوضعيون: هؤلاء يعتمدون بقوة علي الوثائق الأرشيفية
ولا يخاطرون ويمكن أن يكون عملهم جيداً جداً، ولكن بالطبع لا يكون الحال هكذا
دائماً، الماركسيون حالة محرجة تحتاج إلي نقاش دقيق، فآراؤهم عادة ما تكون مفيدة،
ولكن بعض تأكيداتهم تتسم بالغباء التام، وأخيراً نموذج التحرير الوطني: هؤلاء الذين
يبنون التاريخ المصري علي أنه صراع طويل ومكلف لبناء دولة والحصول علي الحرية.
ولعلني أجد من وجهة نظري أننا إلي حد ما »آخر« يتعامل مع »موضوع« ما يمكن أن نقوله
هو أن هناك مشاكل معرفية وأسلوبية عويصة موجودة في كل المجتمعات العلمية وأن
للمصريين في بعض القضايا أفضلية بالمقارنة والعكس صحيح، فليست هناك استحالة وصول
إلي الآخر.
القاهرة: الآن

تعليقات