فى مجموعتها القصصية الأولى

منوعات

القاصة الكويتية الشابة إستبرق احمد: قانون «عتمة الضوء» في مساحته الإنسانية

170 مشاهدات 0


تأخذنا القاصة الكويتية الشابة إستبرق احمد إلى عالمها الإبداعي على بساط متناغم من اللغة الشعرية والمضمون المتنوع، وهي تقدم نفسها في مجموعتها القصصية الأولى (عتمة الضوء) والتي ضمنتها ثلاثة عشر نصا قصصيا منطلقة بها من عمق الواقع الكويتي، وكاشفة سلبيات المجتمع الحاصلة بسبب الطفرة المادية. يبدو الانسجام بين أفكار موضوعاتها ونصوصها القصصية وبين عنوان المجموعة، مما أتاح لها مد جسر فني بينها وبين القارئ، وذلك منذ البداية، ومن خلال التناقض والتضاد في المفردتين اللتين احتلتا مساحة وجه الغلاف الأول المعتم إلا من بقعة ضوء صغيرة، ووضع اسم الكاتبة على الوجه الثاني للغلاف. تنسج الكاتبة نصوصها بلغة مختزلة ومكثفة ذات شعرية عالية مباشرة وقوية، في جمل قصيرة موحية، وبتقطيع رشيق، لم تستثن الحوار الذي شكل جانبا أساسيا في العمل، ولغة ذات دلالات وإيحاءات عميقة تشي بالغموض المغوي، لكنها لا تغمض المدلول الأساسي للنص ولا تغيّب فكرته الحقيقية، على الرغم من احتفاظ الكاتبة بدهشة سر نصها حتى الكلمة الأخيرة فيه، وهذا ما ينسجم مع شخصية الكاتبة التي تميل إلى الهدوء والحضور الصامت إلى حين، حيث لا تقبل إلا بالإدلاء بصوتها فينتهي اللقاء بتداخلها. كإشارة الى أن الكلمة الأخيرة هي دائما لها. واللافت أن هذه المبدعة مجتهدة في النبش عن ملامح التجارب الإنسانية المختلفة وما يقع عليها من ظلم، وهي منحازة إلى الدفاع عنها والوقوف ضد معاناة تجدها منتشرة في الواقع وفي وضح النهار، تلك التجارب التي لا تحظى بأدنى درجة من الالتفات أو التعاطف من كثير من الفئات في المجتمع، كما أن إستبرق لا تحتاج إلى تسليط الضوء على قضايا هي أصلا تحت دائرة الضوء الساطع المبهر والكاشف، لكأنه لا يخلف ظلالا قد تضلل الناظر في الواقع، وهي بذلك لا تقف متفرجة بسلبية كالآخرين، لكنها تتفاعل صارخة بكل طاقتها. إنها قاصة تمتلك الثقة والجرأة، متمكنة من أدواتها الفنية في الكتابة بصياغات ذكية، حين عمدت إلى تجريب أكثر من شكل فني في عملها حيث يلاحظ الأسلوب السينمائي والمسرحي، وهي بذلك تصر على تكوين تجربتها الخاصة في محاولة لرسم شخصيتها الكتابية، هذه الشخصية التي تنتمي بلا شك إلى عصر التقنية الحديثة، والتي ساهمت في تشكيلها عملية التواصل والنشر عبر شبكة الانترنت بما توفره من أفق أرحب للإبحار خلف التجارب المختلفة بعيدة كانت أو قريبة، وآنية كانت أم سابقة، حتى يتسنى لها اختيار أسلوبها ونمطها الكتابي المختلف، وقد نجحت في تكوينه. يؤكد جرأة هذه الكاتبة موضوعاتها المختارة بعناية إنسانية ووعي فكري، فهي حين اختارت ضوء العتمة عنوانا لمجموعتها فكأنها تريد التأكيد على أنها لم تحتج إلى بذل جهد للنبش عن قضايا مخبوءة، وإنما كانت القضايا موجودة بل منتفخة وواضحة وضوح الشمس، ولشدة هذا الوضوح، فهي كالضوء المباشر إلى العين المفتوحة فالبداهة هي أن يجلي الضوء العتمة، لكنه هنا يؤدي إلى بداهة أخرى ألا وهي العشى وعدم القدرة على تمييز الموجودات ومن ثم إصابة العين بالعمى المؤكد، وهو إسقاط على التعامي عن قضايا فاقعة، ومكانها قريب من النظر حتى أنه يفقأ العين. قامت هذه الكاتبة بمغامرة فريدة وغريبة حين اقتربت من رحم الحياة، وذلك من خلال (تجليات في زمن العتمة ص 27) وفي هذا النص تتجلى براعة الابتكار من حيث الفكرة والأسلوب الذي جاء في قسمين هما جلوة أولى وجلوة ثانية، حيث تقدح خيالها لاكتشاف مجاهل النفس البشرية في لحظة من تجربة شديدة الخصوصية، وذلك بتصوير حالة إنسانية ووجدانية ونفسية لوضع أنثوي، من خلال السرد ومن ثم الحوار بين توأمين وهما في بطن أمهما قبيل الوضع. كما تناولت القاصة العلاقات الأسرية المختلة كما في (أجسام غريبة ص 9)، و(رائحة الامتداد الغامض ص37) و(زوايا المثلث ص48) وتطرقت بجرأة غير مبتذلة لفئة الشواذ كما في (أطياف نزقة ص 12). نلمس أن هذه المبدعة تتحلى بمساحة إنسانية شاسعة استلهمت بها موضوعاتها، ومنها قضايا الوافدين إلى مجتمع الطفرة المادية، وأوضاع العمال البسطاء الذين ساهموا في بناء نهضة البلد وتعاطفهم مع العاملات الفلبينيات جراء معاناتهن بسبب سوء المعاملة، وما يلحق بهن من ظلم وأذى، يتجلى ذلك في (ارتطام ص 15) و(براءة ص22). يذكر أن الكاتبة تعمل في مجال التحقيق، وهو مجال يعتمد على الجانب القانوني البحت، الذي يخلو حسب قولها من الإبداع، لكنه وضعها في محل صلة مباشرة تزودها بالنماذج التي تمر بها ويوفر لها الواقع، فتحولها إلى مادة إبداعية، قصيدة مرة، ومرة
الآن: خاص

تعليقات

اكتب تعليقك