عن الإخوان والمسيرة المصرية!.. يكتب خليل حيدر
زاوية الكتابكتب فبراير 18, 2015, 1:02 ص 452 مشاهدات 0
الوطن
طرف الخيط / الإخوان.. والمسيرة المصرية
خليل علي حيدر
ما الذي جرى في مصر قبل اربع سنوات، تحديدا في 25 يناير 2011؟ هل ما وقع في وادي النيل كان ثورة تاريخية ام مجرد «انتفاضة شعبية واسعة»، تبعها العديد من الموجات وصولا الى 30 يونيو 2013؟
لن ينتهي هذا الجدل في المستقبل القريب بسبب الاختلاف حول تعريف «الثورة» و«الانتفاضة»، من الناحية الكمية والكيفية.ولو عدنا الى التاريخ القريب لرأينا المؤرخين يطلقون على ما جرى مثلا، في فبراير 1917 بروسيا القيصرية «ثورة»، وبالطبع كانت ثورة، ولكن الكثيرين من نقاد الثورة المصرية الحالية وحتى ثورة فبراير 1917 الروسية، يعتبرون انتفاضة الحزب البلشفي ضد حكومة كيرنسكي في اكتوبر من نفس العام، على الرغم من الحجم المحدود للثوار، ورغم عدم تمثيل الحزب البلشفي لكل فئات واحزاب روسيا آنذاك.. «ثورة كبرى».
لن ينتهي الجدل في تحديد طبيعة ما جرى في مصر ذلك العام، بل ان «انصار نظام مبارك»، في تحليل الكاتب المصري «محمد شومان»، يعمدون الى «تصوير احداث السنوات الاربع على اساس ان احداث 25 يناير لم تكن ثورة، وانما مؤامرة «اخوانية» مدعومة من حركة «حماس» و«حزب الله» وايران وقطر وتركيا وامريكا، واحيانا اسرائيل، للاطاحة بمبارك وهدم اركان الدولة، وادخال مصر في اتون حرب اهلية تهدف الى تقسيم الوطن، وبالتالي فان 30 يونيو وتدخل الجيش وتفويض الرئيس السيسي هي الثورة الحقيقية، لانها انقذت مصر من مؤامرة «الاخوان» وشباب الثورة الذين تلقوا – حسب تلك الروايات – التدريب في الخارج والتمويل والدعم السياسي والاعلامي، من اجل هدم اركان الدولة» (الحياة 2015/1/28).
ولكن ان كان هؤلاء المتآمرون على هذا القدر من الذكاء والحنكة وحسن التخطيط والجمع بين مصالح ايران واسرائيل وتركيا وحماس، فلماذا فشلوا هذا الفشل الذريع، ولماذا فاز الرئيس السيسي والجيش المصري بكل المغانم؟ وماذا عن استياء المصريين على مدى سنوات طويلة من سوء الاحوال وتردي الاوضاع والفساد ونوايا «التوريث» وغير ذلك؟ وماذا عن الملايين الذين تظاهروا وشاركوا في «الثورة» او «الانتفاضة» و«الآلاف الذين ضحوا من اجل نجاحها حتى الآن، كائنة هذه الحركة التاريخية الكبرى ما كانت! الثورة كما لا يخفى، ليست وضعا طبيعيا في الحياة السياسية لأي امة، ولابد ان يعقبها الاستقرار والا ضاعت اهدافها وفشلت مراميها، وربما كانت كالجرح الاجتماعي الغائر الذي لا يحسن ان يبقى مكشوفا فترة طويلة، والثورة كذلك، كما تعلمنا تجارب الثورات والشعوب، فرصة ذهبية للمستفيدين وصائدي الفرص وصاعدي الموجات.. وسارقي الثورات! وكم من ثورة في التاريخ، او حتى انتفاضات وحركات عصيان، سُرقت او نُهبت، او انتهت الى ما هو اسوأ، مما كانت عليه الاحوال قبلها، وهكذا دعا احد المفكرين الى جعل الثورة حلا للمشاكل لا منبعا للمزيد من الثورات.
برزت في التجربة المصرية وغيرها من تجارب «ربيع العرب» القوى الاسلامية، وتبلورت حركتها كخطر دائم داهم، لان اهدافها بعيدة ومعاكسة تماما لمطالب شعوب هذا العصر، والاسلاميون خطر يهدد نجاح اي حركة تغيير سياسية اجتماعية كبرى ان لم يصلوا الى السلطة والرئاسة، اذ انهم لن يكفوا عن التخطيط والتامر للوصول اليها، كما رأينا في سلوك د.حسن الترابي، مثلا الذي امضى سحابة عمره الفاني في بعض هذه الحالات!
وهم خطر يهدد مستقبل المجتمع الحديث والدولة العصرية كذلك الى ان وصلوا الى السلطة، اذ تهيمن على عقولهم وبرامجهم افكار ومصطلحات لا تصلح لهذا العصر، مهما جرى تزيينها وزركشتها.
هذا ما تعلمناه بمرارة وقسوة من ثورة 1979 الايرانية، والتي هيمنت عليها في النهاية القوى الدينية التي بالكاد نجت منها التجربة المصرية، فيما كان الناس والمحللون والمتابعون لمصر واحوال ثورتها.. بين مصدق ومكذب! ولو كانت ثمرة مصر اليانعة قد وقعت في حضن الاخوان ودامت لهم الهيمنة، لأصبح لمصر، في ايديولوجيتها «الاسلامية» التي نعرفها جيدا، والعرب بيدها والازهر بيدها والجيش المصري بيدها، نظام اخطر من ايران بكثير، واذا كان التحرك الايراني محدودا لأسباب قومية ومذهبية، فان مصر الاخوانية القطبية.. كانت ستكون منبع تصدير دائماً من دون عوائق، للثورة الاسلامية المزلزلة حقا.
الخطة الاخوانية الراهنة في مصر، كما تعتقد الاعلامية المصرية «امينة خيري»، ترمي الى ايهام قواعد الجماعة «بان الجانب الاكبر من المصريين يدعمهم، ومن لا يفعل، فهو خائف جبان، او عميل مهان»، ولا تخلو الصورة الاخوانية المرسومة، تضيف، «من لون طائفي لقواعدهم من الغارقين في التشدد، ممن يعتبرون ان المسيحيين الداعمين للنظام – الحالي – هدفهم اقامة الدولة القبطية، ومحو الشريعة الاسلامية، وآخر وَسَطي موجه لقواعدهم من المفضِّلين للوسطية، ولمن اقام منهم في «رابعة» هناك لون «ربعاوي» حيث اعادة استنساخ للاجواء «الربعاوية الجميلة العامرة بالقرآن والغارقة في الايمان»، ولمن يؤثر السلمية لون اضافي يهتف «سلمية»، ولمن يميل الى العنف الوان حمراء واخرى سوداء» (الحياة 2015/1/28).
ما مكاسب الشعب المصري بعد هذه العاصفة الثورية التي يقول الكثيرون انها اقتلعت اشجار النظام وعجزت عن اجتثاث جذوره؟ يرى «شومان»: «ان مؤسسات الدولة عادت للعمل، مع الحفاظ على هيبتها وتقاليدها الراسخة والممتدة تاريخيا، غير ان هذا المكسب الذي يدعم الاستقرار ويوحي به، يحمل في اعتقاد شومان نقيضه، «حيث لم يتم دمج قيم ثورة يناير وتفعيلها في مؤسسات الدولة، التي لم تصلح من نفسها، وانما ابقت للاسف على الاداء البيروقراطي المتعالي على الشعب، مع الاعتماد على الحلول الامنية، والثابت ان خطاب الحكم الجديد يركز على اولوية الحفاظ على مؤسسات الدولة ومحاربة «الاخوان» والارهاب، وانقاذ الاقتصاد، على حساب السياسة والحريات العامة».
من مكاسب هذه الثورة ثانيا، في تحليل الكاتب نفسه، «قدرة الشعب على الثورة والتغيير، وثقته في قدراته على التحرك ضد اي نظام سياسي استبدادي»، ويضيف شومان ان المصريين راكموا خلال اربع سنوات من الحراك السياسي، «خبرات وقيما تشكل قاعدة اساسية لثقافة سياسية جديدة، كان يمكن ان تتطور وتندرج في اطار نظام سياسي وحزبي فاعل، لولا ارباك الاخوان والارهاب للمشهد السياسي، ولولا تعب غالبية المصريين من كثرة التظاهر والمشاركة في الانتخابات من دون ان يحصلوا على مكاسب اجتماعية او اقتصادية محددة».
اما ثالثة المكتسبات الاساسية في هذه التجربة التاريخية المصرية الكبرى، فكانت «فضح جماعة الاخوان المسلمين امام الجماهير، باعتبارها جماعة منغلقة على نفسها، توظف الدين في السياسة، ولاتملك مشروعا سياسيا يستوعب كل مكونات المجتمع، وبالتالي فان فشلها في حكم مصر شكَّل فضحا لقدرات الجماعة والسلفيين في التعامل بمنطق العصر مع مشكلات الدولة والمجتمع.. ومع ذلك تبقى هناك مخاوف من استمرار الجماعة واكتسابها انصارا جددا، كرد فعل على سيادة الحلول الامنية، ووقوع اخطاء، وعدم قدرة النظام على تحقيق مكاسب اجتماعية، علاوة على خطاب المظلومية الذي تروج له الجماعة».
واخيرا ثمة مكسب اكيد للشعب المصري يتمثل في «كتابة دستور جديد يؤكد مدنية الدولة، والتوازن بين سلطة الرئيس والحكومة والبرلمان، مع النص على العديد من الضمانات التي تمنع الاستبداد والانفراد بالسلطة، وتكفل استقلال القضاء وحرية الرأي».
ولكن هل ستنجو هذه المكاسب؟ يتخوف «شومان»، من «تقاليد مصرية متوارثة في اصدار قوانين تأتي بتفاصيل وقيود تقتل روح الدستور»؟ اي ان بر النجاة.. قد يكون بعيدا!
تعليقات