تظاهرة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.. حمد العصيدان متحدثا عن الحج
زاوية الكتابكتب سبتمبر 12, 2016, 2:19 ص 534 مشاهدات 0
الراي
من زاوية أخرى - تظاهرة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً
د. حمد العصيدان
في تحدٍّ معجزٍ لكل القوانين والأنظمة البشرية، في أن تحشد جمعا يقف على صعيد واحد وبلباس واحد وهتاف واحد، باهى الله تعالى ملائكته أمس، وهو ينظر إلى عباده الذين أتوه شعثا غبرا من كل فج عميق، مستجيبين لنداء أبيهم إبراهيم عندما أمره الله تعالى بالقول {وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، وبعد أن يباهي الله ملائكته بعباده يشهدهم أنه قد غفر لمن وقفوا.
فعلى صعيد عرفات، وقف مئات الآلاف من الحجاج يوم أمس في وقفة الركن الأعظم للحج، وقفوا لا ينادون لموت أحد، ولا لحياة أحد، ولا يطالبون بإسقاط نظام أو بإبقاء نظام، بل هو الهتاف الخالد الذي يتردد في مثل هذا اليوم من كل عام، منذ أن رفع إبراهيم قواعد البيت، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هتاف واحد تتوحد فيه اللغات والأصوات، مرددة «لبيك اللهم لبيك».
لا شك أن العيون التي تابعت مشهد الحجيج على صعيد عرفات أمس عبر شاشات التلفزيون، قد دمعت، وقالت بكل شوق «ليتني كنت معهم» فالمشهد مهيب وعظيم، أن تتوحد فيه كل القوميات والأمم في قومية وأمة واحدة، هي أمة الإسلام، وتذوب كل اللغات في لغة واحدة هي اللغة العربية، وتتوحد كل الألوان في اللباس بلون واحد هو الأبيض غير المخيط الذي يتساوى فيه العظيم والبسيط، الملك والمملوك، لا فضل لأحد هناك على الآخر إلا بمقدار قربه من الله.
إنها نفحات إيمان عظيمة تلك التي تنشقنا عطرها ونحن نتابع وقوف الحجاج على عرفات الله أمس، نفحات لا يعرف قيمتها ومدى عظمتها إلا من غرس الله الإيمان في قلبه، ليعيش بكل جوارحه روحانية يوم عظيم من أيام الله يتجلى فيه سبحانه إلى السماء الدنيا فرحا بعباده، فيسمع دعاءهم ونجواهم، ثم يعلنها سبحانه لملائكته أنه قد غفر لكل من وقف على الجبل. لحظات من العمر تخلد في عقل وقلب من عاشها هناك، وتبقى في ذكراه حية حتى يموت، فهنيئا لمن وقف، ورزق الله هذه الوقفة كل من عزم ولم تسنح له الظروف أن يتيسر حجه، وغفر لنا مع عباده الواقفين.
وهنا لا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتوجه بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لأشقائنا في المملكة العربية السعودية، على تلك الجهود الجبارة التي تبذل والتي تسخر لها كل طاقاتها وتعد لها العدة طوال العام حتى تيسر حج القادمين إليها من كل أقطار الدنيا، وقد رأينا بأم أعيننا تلك الطفرة الكبيرة جدا في الخدمات التي أنجزتها المملكة بسواعد أبنائها، وهمّة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، سواء بالتوسعة التي شهدها ويشهدها الحرم المكي، أو بقطار المشاعر الذي يكبر وتزداد أهميته، وحتى في خدمات مشاعر منى وعرفات ومزدلفة، فلهم كل الشكر ونسأل الله أن يجعل ما يقومون به من عمل في موازين حسناتهم.
أما أصوات النشاز التي دأبت منذ زمن ليس بالقريب، على تشويه الصورة الناصعة التي تقدمها المملكة لحجاج بيت الله الحرام، فستبقى نشازا ولن يزيدها صراخها إلا عزلة عن عالمها العربي، لتعيش في أوهامها التي لن تجني من ورائها سوى الخذلان والخسارة، وكما يقول المثل في مثل هذه الحالة فإن «القافلة تسير والكلاب تنبح».

تعليقات