محمد المقاطع يكتب.. التوازن الدستوري

زاوية الكتاب

كتب أرشيف المقالات 658 مشاهدات 0

د. محمد المقاطع

القبس

الديوانية- التوازن الدستوري

د. محمد المقاطع

 

في هذه الأيام الجميلة من شهر فبراير، الذي تكتسي به الكويت وشاح الفرح وتزدان بمظاهر الاحتفالات العزيزة على نفوسنا والقريبة إلى قلوبنا، متذكرين جميعاً، حكاماً ومحكومين، مناسبتين، كُلاً منهما أغلى من الأخرى، أولاهما ذكرى الاستقلال التي كتب بها ميلاد الكويت الدولة العصرية الراسخة بثوابتها الوطنية، ممثلة بأسرة حكم جاءت برضائية أصيلة، فتجذر الحب والولاء، تتممها شورى مؤسسة يتولى من خلالها الشعب المشاركة في إدارة شؤون الدولة وتوجيهها، ومن حسن طالعنا كشعب أن تجسد تلك الثوابت بوثيقة دستورية توافقية تعاقدية، لتعبّر عن نضج الكويتيين حكاماً ومحكومين، فكانت المادتان الرابعة والسادسة من الدستور تكريساً صريحاً لتلك الثوابت وصيانتها.

ثانيتهما ذكرى التحرير من براثن احتلال عراقي صدامي حاقد، كان يتم تغذيته منذ ميلاد الكويت باستقلالها عام ١٩٦٢، وهي محنة عبرها الوطن بفضل من الله عز وجل، وبالتماسك الفريد الذي أظهره أهل الكويت، حكاماً ومحكومين، فسطروا ملحمة فريدة في الذود عن شرعيتهم، فتم تجاوز خلافات تعطيل الدستور، والتقى الكويتيون على صعيد واحد في مؤتمر جدة لتعاد الى الأذهان صورة مثالية من الرضائية بين الأسرة والشعب، قاسمها حب متفانٍ للوطن، وحرص متجدد على المرجعية الدستورية في استعادة الوطن والحفاظ على ثوابته والانطلاق لإعادة بنائه.

ليس سهلاً أن تمر علينا هاتان الذكريان الغاليتان من دون أن نتوقف أمام تلك الثوابت وهذه الحقائق، لكونها هي سر قوتنا وسمة تميزنا عن بقية الأمم والدول والشعوب. وتكمن حيوية إدراكنا لذلك أن نذكر بعضنا بما يعنيه ذلك لنا جميعًا، خصوصا أن شواهده التاريخية والوطنية حاضرة بيننا، ولقد بات التذكير بكل ذلك أكثر إلحاحاً ووجوباً هذه الأيام، فقد تغلغلت في بلدنا مظاهر وممارسات يهدف البعض من خلالها إلى اقتلاعنا من تلك الجذور الراسخة والثوابت المتأصلة، لأنهم متضررون من توازنها، ومدركون عدم قدرتهم على العيش في كنفها، وهذا البعض وضع البلد في ذهنه أنها فرصة، فحاد عن الطريق وتنكر للثوابت، هؤلاء منطلقاتهم حسب مصالحهم التي تحيد عن مسارات المصلحة الوطنية، فنسوا التوازن المقصود، فشغلتهم الخصومات عن مصالح الوطن الرئيسية، وزاد من حظوة هذا البعض وهن تكوين مجلس الأمة، وضعف الحكومة، ليكون ذلك مظهرًا إضافيًا في تراجع مسيرة الوطن، وقد جرت الاستفادة من الصراع السياسي ليكون مدخلاً إضافيًا، ليعزز ذلك البعض مواقعه وتأثيره. لكن ثقتنا كبيرة بالله وبقيادتنا السياسية، التي أثبتت في كل الأحداث والوقائع حكمتها وحنكتها في تجنيب البلد عوادي الأيام، وتكريس الثوابت الوطنية والدستورية. ولعل مناسبتَي الاستقلال والتحرير من أهم المحطات التي نعول عليها في إعادة البهجة الى أهل الكويت، ولعل طي صفحات وأحداث الماضي القريب باتت ضرورة لإحداث نقلة وطنية تعيد أولئك البعض إلى إدراك حقيقة التوازن الدستوري، الذي حفظ البلد وحقق تميزه الفريد، ولعل المصالحة الوطنية وتعزيز أجواء الحريات، وبتر بؤر الفساد، وفضح استخدام المال السياسي والمواقع البرلمانية والحكومية للتكسب من قبل هذا البعض ومن سايرهم، باتت اليوم مطلباً ملحاً أكثر من أي وقت مضى، لتكتمل أفراحنا الوطنية.

القبس

تعليقات

اكتب تعليقك

captcha