كرمته الأردن بعد 18 عاماً من رحيله

منوعات

غالب هلسا.. «المصري» .. قصص وحكايات من شوارع وفنادق القاهرة

265 مشاهدات 0


قبل عدة أيام منحت حكومة الأردن جائزة الدولة التقديرية في الآداب للكاتب غالب هلسا بعد سنوات من رحيله في 18 ديسمبر 1989، وهي مفارقة جديرة بالتأمل، فحتي وفاته لم تكن الأردن تنظر إلي غالب إلا باعتباره كاتباً معارضاً، لذلك لم تقبل الاعتراف به في أي صورة من الصور، ولم تستقبله إلا وجثمانه مسجي في تابوت، وظلت جميع محاولات الكتَّاب الأردنيين لاستعادة اسمه تواجه الكثير من التعنت من قبل السلطات، حتي إن جميع أعماله واجهت مشكلات رقابية في بلاده لولا مجموعة من المبادرات وقفت وراءها رابطة الكتاب الأردنيين، «ودار أزمنة» التي يديرها إلياس فركوح، وقد نجحت تلك المبادرات في إصدار الأعمال الكاملة لهذا الكاتب ليقرأ في بلاده لأول مرة. وعندما فكرنا في الإعداد لهذا الملف لم نفكر في غالب إلا باعتباره «كاتباً مصرياً» فهو كما قال الدكتور جابر عصفور في مقدمة الملف الذي قدمته عنه مجلة «فصول» في ربيع العام 1993 (مصري بالتعلم والمربي والعشق، عاش همومنا وأحلامنا، فرحنا وزهونا وانكسارنا وصاغ من الألوان المتنافزة التي تفترش لوحة حياتنا شخصياته الروائية المهووسة بالبحث عن التقدم والحرية والاستقلال والتي لا تفارقها القدرة علي طرح السؤال) وتقديري أن هذه العبارات كافية لتبرر الحفاوة بـ «غالب» عبر هذا الملف الذي يسعي للتأكيد أولاً علي مصريته، وثانياً علي القيم التي انتمي إليها وناضل وسجن من أجلها مع فصائل اليسار المصري. واللافت أن غالب في كل حواراته التي تلت تجربة خروجه القسري من مصر لم يتوقف عن الإشارة إلي عمق تأثير مصر علي تجربته وهو تأثير يمكن ملاحظته عند قراءة أعماله لا سيما «أنوج وبدو» و«فلاحون» و«الضحك» «والخماسين» و«البكاء علي الأطلال» و«الروائيون» التي أغضبت الكثيرون لكنها لم توقف زملاءه من الكتَّاب المصريين عن الإشارة إلي تأثيره علي تجاربهم، سواء ككاتب أو ناقد أو مترجم، وهو تأثير يمكن تلمسه بسهولة من مجمل الحكايات التي يرويها رفاق تجربته النضالية والإبداعية في شوارع القاهرة. يسلط الكاتب علاء الديب الضوء علي أحد أهم الملامح التي ميزت الصداقات الصلبة التي أحاطت بغالب هلسا في مصر قائلاً: «حين تكونت مجموعة جاليري 68 كانت من أهم الصداقات التي صادفتها في حياتي هي صداقتي بغالب هلسا وإبراهيم منصور رحمه الله، وكان له وصف شهير لمن يعملون لحساب الحكومة، ويقول إنهم «صراصير» وأن معاركهم «معارك صراصير» كان غالب يشاركه الضحك علي انتقاداته اللاذعة، لكنه أبداً لا يكررها فهو صعلوك له صفات البرنس، كانت تميزه هذه الروح المعتزة بنفسها، والميل إلي الاستقلال ويضيف صاحب «زهر الليمون» في سنوات 1963- 1964 عمل غالب في وكالة الأنباء الصينية مما مكنه من شراء بيت بحي الدقي، الأمر الذي سمح لنا أن نتقابل بصورة منتظمة، إذ كان هناك لقاء ثابت مع مجموعة من الأصدقاء منهم (فاروق شوشة، رجاء النقاش، عبدالمحسن طه بدر، أبو المعاطي أبو النجا) للحوار حول كتاب أو فكرة، وكان غالب هو الذي يدير المناقشة ولم يقرأ علينا أعماله إلا نادراً لأنها كانت دائماً في تعديل مستمر، لأنه لا يرضي عنها بسهولة. ويشير علاء الديب إلي قيمة أخري في حياة غالب ويقول «كان غالب هلسا أول شخص في حياتي أري علاقته بالكتابة متوازية تماماً مع علاقته بالحياة، فهو لا يحيا إلا من أجل الكتابة، كان علي مدار اليوم يأتي بكراسات مثل كراسات التلامذة ولا يكف عن ملئها ووضعها جانباً، يشرع في كتابة رواية ولا يلبث أن يعيدها مرة ومرات. عاصرت ذلك أثناء إصداره الأول «وديع والقديسة ميلادة» ثم روايته «الخماسين»، كانت تلك الرواية إنجازاً في الكتابة العربية، تمثل كتابة واعية بعصرها والزمن الذي تعيشه، تنقل بحساسية مرهفة التغير الذي يحدث للناس والشعور بالوحدة الذي بدأ ينتاب الجميع. يواصل صاحب «أيام وردية» تذكر أعمال غالب بقوله: «أذكر مشهد الحب فوق كوبري قصر النيل الذي تتناوله الرواية ولا تزال صورة الفتاة الفقيرة المجهدة عالقة في ذهني وهي توجه أسئلتها لحبيبها عن معني الحياة، فكان لجوؤه إلي «تكثيف البصري» جديداً علي الكتابة في ذلك الوقت، إذ كان مولعاً بمجموعة من الكتَّاب أثروا في تكوينه، فقدمهم لنا وعلمنا كيف نتذوقهم ونشعر بكتابتهم مثل دوستويفكسي وبلزاك وفولتير وفوكنر، كما كانت لترجمته لكتاب باشلار «جماليات المكان» أهمية خاصة لمعظم الكتاب والمهتمين بالأدب لكونه مرجعاً نادراً. قيمة الجائزة هناك العديد من المشاهد المؤلمة التي مر بها غالب هلسا مثل طرده من العراق ووحدته في دمشق وفقره وخروجه من القاهرة ومروره بأيام شديدة القسوة، فلا أدري إن كانت مسألة اعتراف الأردن به ومنحه الجائزة التقديرية يمكنها أن يمحي كل ذلك، لكنها نوع من الاعتذار عن المأساة التي عاشها. كاتبنا الكبير جميل عطية إبراهيم أبدي حماساً هائلاً للكتابة عن هلسا حين طرحنا عليه الفكرة في رسالة إلكترونية فكتب لنا يحكي عن صديقه الذي ظل مغترباً وكانت أقصي ضربة وجهت له هي طرده من مصر. يتذكر جميل حادثتين مفصلتين تكشفان بعضاً مما عاناه هذا الرجل «العظيم المبدع في صبر» علي حد وصف صاحب المسألة الهمجية «هما حكايتان بعيدتان في المكان والزمان، لكنهما حكمتا مصير غالب يقول جميل: «بعد صدور جاليري 68 ونجاحها وصلني استدعاء لمقابلة عقيد أو عميد في مباحث أمن الدولة في لاظوغلي وذلك لأول مرة في حياتي، في الموعد المحدد ذهبت، وبعد الدردشة الشكلية عن الاسم والمهنة والعنوان وإلي غير ذلك، سألني سيادة المحقق مباشرة، كيف نقبل في تحرير مجلة مثل جاليري 68 شخصية رذلة سمجة مثل غالب هلسا؟؟ يقول جميل: «غالبني الضحك. وقلت جاليري 68 تصدر وفقاً للقوانين، ومادتها تحصل علي إذن من الرقابة قبل الطبع، فإذا كانت الداخلية تود مصادرتها لتتخذ الإجراءات المتبعة، وغالب هلسا له دور كبير في إصدار المجلة ولن نتخلي عنه، اعتذر الرجل وقال إنه لا يقصد، إنه يراه ثقيل الظل،هو وزميله سيد حجاب، ومن الأفضل التخلص منهما في رأيه. قلت: سيد حجاب شاعر كبير ومثقف كبير ولن نتخلص منه هو الآخر. قال: هذا شأنكم. الحادثة الثانية التي يذكرها جميل، وقعت لغالب هلسا في العراق بعدها بعشر سنوات في بداية تولي صدام حسين جميع الصلاحيات بعد التخلص من رفاق الحزب والسلطة ، كان غالب هلسا وقتها قد طرد من مصر نهائياً هذه المرة في أواخر عهد الرئيس السادات بسبب اتفاقيات السلام يتابع جميل عطية إبراهيم: «عند ذهابي إلي بغداد 79 كان من الطبيعي أن أسعي للقاء غالب هلسا، وقد حرمنا منه في مصر بطريقة ظالمة». عدة أيام في بغداد في صحبة غالب هلسا تعرفت خلالها علي الجوانب الخفية من آلامه وأمانيه وحزنه لما آلت إليه الأوضاع في الأمة العربية، كما روي لي قصصاً تفوق الخيال عن سوء الأوضاع في العراق علي الرغم من النوايا والشعارات الطيبة وحماس صدام حسين لكل ما هو عربي. في تلك الأثناء وحسب رواية جميل فقد قال غالب هلسا: إن مسؤولاً حزبياً كبيراً استدعاه قبل عدة أيام وقال له في عتاب مرير وخوف: نحن نعرف أنك شيوعي وأنك ملتزم بسياسات الحزب الشيوعي العراقي السري، وهذا معرف ومفهوم ومقبول لدينا، لكن المشكلة أنظر... وقدم له ثمانية تقارير مختومة. قال غالب هلسا، إنه نظر إلي التقارير ووجد أنها عباراة عن ملخصات مبتسرة لحوارات علنية له في ندوات وفي أروقة وزارة الإعلام، وكلها تدينه بعدم الولاء والعمل لجهات خارجية ضد مصلحة الحزب والرئيس صدام حسين. قال غالب هلسا لسائله، هل تصدق أنني شيوعي وبعثي سوري وخائن أردني وعميل سوفيتي وعميل فلسطيني لحركات فلسطينية سرية وعميل أمريكي. قال الرجل خائفاً: طبعاً أنا لا أصدق وسوف أمزق هذه التقارير، ولكن يجب الحذر. في ختام رسالته لا ينسي جميل عطية أن يشير إلي مساهمات غالب، مشيراً إلي أن صديقه الراحل كتب مجموعة أعمال أدبية متميزة، والعديد من المقالات النقدية من منطلقات ماركسية مع معرفة قوية بالآداب الإنجليزية، لكن تأثير هذه الكتابات في مجري الثقافة المصرية في الستينيات والسبعينيات يتجاوز كثيراً إبداع صاحبها. في صبيحة أحد أيام السبعينيات، وبينما الحركة الطلابية تواصل صمودها وتضيف نجاحات تلو أخري للتصدي لسياسات الدولة ولفرض إرادة الشعب، جاء اللقاء الأول بين الطالب أحمد بهاء الدين شعبان والأديب غالب هلسا.. تعرفا بالمصادفة عن طريق أحد أصدقاء شعبان الذي قدمه لهلسا باعتباره أحد أصدقاء الحركة الطلابية التي كانت تحظي آنذاك بدعم من الفنانين والمثقفين. رسم اللقاء الأول أحد أهم ملامح شخصية هلسا في عيون طالب، فقد رآه مقبلاً مع أحد الأصدقاء بملامح تبدو غير مصرية، يحمل الجاكيت علي كتفه ويبدو أكبر سناً بشعره المنسدل وسمنته، سرعان ما انصرف الصديق بعدما عرفهما ببعض وفوجئ شعبان بهلسا يعامله بحميمية شديدة، وكأنهما بالفعل أصدقاء.. تأبط ذراعه واصطحبه إلي إحدي المقاهي واتسعت المناقشات لتشمل ما يهم الأمة العربية ومصر علي وجه الخصوص.. منذ ذلك الوقت بدأت صداقة حميمة بين هلسا وشعبان.. برغم أن الأخير لم يكن قد قرأ من أعمال هلسا إلا رواية واحدة هي «الخماسين» ولم يستطع تكوين صورة متكاملة لشخصيته، لكن الأمر سرعان ما تغير، فقد كان غالب هلسا يتمتع بقدرة هائلة علي خلق العلاقات الاجتماعية، وبخاصة مع الأجيال الجديدة، وقد كان ذلك سر ارتباطه بالحركة الطلابية التي اعتبر نفسه أحد المدافعين عنها والمساندين لها. يري شعبان أن الفترة الطويلة التي قضاها غالب هلسا في مصر رسخت داخله إحساساً بمصريته، فقد أصدر معظم أعماله الأدبية في مصر وتفاعل مع قضاياها ودرس واقعها.. لدرجة أنه عندما غادر مصر- مطروداً منها- مع عدد من قيادات حركة الطلاب وبعض المثقفين العرب والفلسطينيين فقد كثيراً من حيويته ونشاطه وإقباله علي الحياة برغم استمرار محاولاته للمساهمة في نصرة القضايا القومية. خرج هلسا من القاهرة إلي دمشق ومنها إلي بيروت حيث اشترك مع الكاتب الفلسطيني عبدالقادر ياسين وأحمد بهاء الدين شعبان في إصدار مجلة شهرية باسم «المصير الديمقراطي». وكان وجوده في بيروت فرصة لتفاعله مع الثورة الفلسطينية وذوبانه فيها ومساندته لها كتابة وحركة، لكن ظل في أعماقه جرح غائر نتيجة لابتعاده عن مصر. يضيف شعبان: صحيح أن غالب هلسا أردني الجنسية والمنشأ، لكنه لم يشعر بتفتح وازدهار موهبته إلا في مصر التي كانت آنذاك تعج بالتيارات الفكرية والنشاط السياسي والثقافي، كان هلسا يسارياً كما كان ثورياً آمن بالقضايا العربية، ربما لما كانت تتمتع به تلك القضايا من إجماع شعبي. عاد هلسا إلي مصر بعد احتلال القوات الإسرائيلية لبيروت، لكنه كان قد فقد الكثير مما أثر علي إقباله علي الحياة وكسر روحه، وأسهم بشكل مباشر في التعجيل بموته. ويواصل شعبان سرد تجربته مع غالب.. تعلمت من هلسا من خلال صداقتي له الكثير، فقد فتح أمامي آفاق الاطلاع علي التراث العالمي واستمتعت بالحوار وتبادل الرؤي معه، كان هلسا ودوداً يحمل داخله طاقة هائلة تتبدي إذا ما آمن بمبدأ واقتنع به.. فهو يسانده إلي أقصي درجة.. كان يحمل قلب طفل صغير يتدفق حيوية وحماساً. ومن جهته يتذكر الروائي محمد البساطي بيت غالب هلسا والمقالب التي جري تدبيرها فيه، ويقول «كان بيته ملتقي كثير من الكتاب، كان واسع الثقافة ونلجأ إليه لإبداء الرأي في شغلنا، كان إنساناً نزيها وجميلاً، إحدي المرات كتب مقالاً عني وقال إنني عندما أحكم فكري أكتب قصصاً ضعيفة واستفزني الأصدقاء للرد علي مقاله بالضرب «!!» وفي نفس الوقت اتصلوا به وأبلغوه عزمي علي ضربه «الأوغاد» وذهبت إليه ففتح لي فوجدت أمامي رجل صحته حلوة فلم أستطع فعل شيء لكنه أقنعني بأنه يشبهني بشكسبير وأن موهبتي أكبر من عقلي فإذا فكرت في الكتابة كان مستواها ضعيفاً والغريبة أنني صدقته. ويحكي البساطي موقفًا طريفًا طلبت منه ومن عبدالفتاح الجبلي أن يكونا شاهدا، عقد قراني لكن المأذون رفض وشهد علي عقد القران عبدالفتاح الجبلي فقط يتنهد ويتطرد كانت أيامًا حلوة، ولم يكن مجرد كاتب في مجلة جاليري 68، إنما يساهم في اختيار المواد وأحد مؤسسيها فكان وجوده حياً ولافتًا في الوسط الثقافي ولم يكن فيه الفساد الناقح الموجود الآن ولا الانشقاق الحادث إلان، فمن يتوقع أنه بعد حريق أقطاب المثقفين في قصر ثقافة بني سويف أن ينقسم المثقفون فنجد شلة المنتفعين يرسلون خطاباً لرئيس الجمهورية يطالبونه فيه ببقاء وزير الثقافة!! و100 اسم فقط يطالبون بمحاكمته. ويضيف غالب كان يحب مصر جداً رغم دخوله المعتقل مرتين وعندما رحلوه أصيب بالاكتئاب وتمني العودة إليها. أما الكاتب سعيد الكفراوي فيقول: في العام 68، وربما في العام 69 من القرن الماضي قابلت غالب في جريدة «المساء» التي كان يشرف علي القسم الأدبي بها طيب الذكر الراحل الكريم عبدالفتاح الجمل. فاجأني شكله فلم يكن يشبهنا بقدر ما كان يشبه أولاد الأروام بشقرته ولون عينيه ونظرته المتفرسة. تعرفت علي غالب في هذا اليوم ثم تكرر لقاؤنا علي مقهي ريش في ندوة نجيب محفوظ وسط جيل الستينيات الذي كان ينظر لهم غالب معتبراً نفسه صاحب أسبقية عليهم حيث بدأ الكتابة أواخر الخمسينيات تقريباً. ويتذكر الكفراوي واحدة من معارك هلسا النقدية مع الناقد إبراهيم فتحي علي صفحات «المساء» حول «الواقعية بلا صفاف» ويقول: كانت معركة شرسة استفدنا جميعاً من مضمونها، ومن خلالها تكونت معرفتي حول ثقافة غالب العميقة. ويؤكد الكفراوي أن أعمال غالب كان ينسجها بشغف الكاتب بالحقائق وإيمانه بالدفاع عن روح الإنسان ضد المظالم، تحتضي بالحقائق الإنسانية، وتسعي لتحقيق خيال جديد. وبنبرة ألم يشير الكفراوي إلي أن غالب أُرغم علي الرحيل منتصف السبعينيات وحملته السلطة الساداتية وألقت به خارج الوطن بعد مقاومته لسياسة التطبيع فلجأ إلي العراق وشرب المر، ثم إلي لبنان فتجرع المرارات ثم أخيراً إلي سوريا فمات ألف مرة حتي موتته النهائية، حيث انتقل إلي وطنه إلي مثواه الأخير.
القاهرة: الآن

تعليقات

اكتب تعليقك