نهج البلاغة... ورحلة العودة إلى التعددية.. بقلم عبد اللطيف بن نخي

زاوية الكتاب

كتب د. عبد اللطيف بن نخي 754 مشاهدات 0

د. عبد اللطيف بن نخي

الراي

رؤية ورأي- نهج البلاغة... ورحلة العودة إلى التعددية

د. عبد اللطيف بن نخي


أقر قانون رقم 3 لسنة 2006، في شأن المطبوعات والنشر، في مجلس الفصل التشريعي العاشر (2003-2006). ومن أبرز إيجابيات هذا القانون، أنه فتح الباب لإصدار تراخيص جديدة للصحف. وأما سلبياته، فسأكتفي بالإشارة إلى الخلل في المادة 19 من القانون، التي تنص على أنه «يحظر المساس بالذات الإلهية أو القرآن الكريم أو الأنبياء أو الصحابة الأخيار أو زوجات النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - أو آل البيت - عليهم السلام - بالتعريض أو الطعن أو السخرية أو التجريح بأي وسيلة من وسائل التعبير المنصوص عليها في المادة 29 من القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960».

هناك اشكاليتان في هذه المادة. الأولى مرتبطة بتعريف الصحابة وآل البيت، فالمذكرة الايضاحية للقانون تنص على أنه «يقصد بالصحابة كل من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلما مؤمنا به ومات على ذلك خصوصا أزواجه وآل بيته - عليهم السلام. كما يقصد بآل البيت - عليهم السلام - آله وأقرباؤه المؤمنون به الذين عاصروه ورأوه في حياته - صلى الله عليه وسلم». من الواضح أن هذا التعريف لم يراع اختلاف الآراء الإسلامية حول تعريف الصحابة وآل البيت، كما أنه تجاهل مكانة أئمة آل البيت من غير الصحابة، كالإمام جعفر الصادق عليه السلام، لدى شريحة واسعة جدا من المسلمين، فلم يُشملهم في الحصانة. وبذلك هذه المادة يعيبها التمييز بين المواطنين في حقوقهم، وتحديدا حق تحصين رموزهم الدينية، وتباعا تعتبر مخالفة للمادة (29) من الدستور.

وأما الإشكالية الثانية، فهي متعلقة بتطبيق هذه المادة القانونية. فقد ضيّقت كثيراً على حرية البحث العلمي، المكفولة وفق المادة 36 من الدستور، إلى درجة أن عرض بعض الأحداث التاريخية المتفق عليها، من باب الاستدلال، قد يصنّف تعريضاً أو تجريحاً لأحد المحصنين في المادة القانونية.

أضف إلى ذلك، أن ذات المادة القانونية وظّفت في منع الكثير من الكتب القيمة، ومن أشهرها شرح نهج البلاغة للشيخ الفقيه المصري محمد عبده. 

المراد أنه بعد مرور 12 سنة من التطبيق، ثبت أن هذه المادة القانونية تقيّد كثيرا الحريات الدينية المكفولة وفق المادة 35 من الدستور. حيث منع العديد من خطباء الحسينيات من دخول الكويت، بحجة أنهم خالفوا تلك المادة القانونية، وإن كانت «مخالفتهم» وقعت خارج الكويت وقبل تشريع القانون! وفي ذات الوقت، لم توفر وزارة التعليم العالي البديل الكويتي، عبر بعثات لدراسة العلوم الدينية وفق مذهب أهل البيت.

لذلك أناشد البرلمان، تعديل صياغة هذه المادة القانونية، لتكون أكثر توافقا مع نص وروح الدستور، خصوصا وأن قطار العودة إلى ثقافتنا الأصيلة قد بدأ رحلته، متجها إلى أجواء التعايش والتآخي التي كانت سائدة داخل السور وحوله، وظاهرة على ظهر سفن الغوص والسفر، وملموسة في بلدان الغربة كالهند والزنجبار.

بالرغم من سعادتي بجميع محطات رحلة العودة إلى التعددية، وأحدثها محطة اعتصام عدد من المحتجين، على قرارات منع المطبوعات، أمام وزارة الإعلام مساء السبت الماضي، إلا أنني لاحظت أن بعض تلك المحطات تشوبها شعارات ومطالبات خاطئة، وتحتاج إلى تقويم عاجل. فعلى سبيل المثال، ضمن محطة التفاعل الشعبي ضد قرار منع كتاب نهج البلاغة، الذي تم نفيه لاحقا، طالب البعض بأن يكون الاحتجاج ضمن مشروع أوسع يستهدف إلغاء الرقابة على المطبوعات بشكل عام. واعتبر هذا البعض، أن إصرار آخرين على المطالبة بإجازة نهج البلاغة بشكل منفرد، دافعه «الأنانية السخيفة». بالرغم من انزعاجي من لجوء البعض إلى تسفيه الرأي المختلف، إلا أنني أكثر استياءً وتخوفاً من سياسة تهميش خصوصية الحريات الدينية. 

صحيح أن منع بعض الروايات خطأ، ولكن ليس بفداحة منع الكتب الدينية، وإن كانت تتضمن ما يخالف عقيدتنا، لأن في منعها شبهة تمييز وتقييد حريات دينية، مجرمة دستورياً ودولياً، من قبل الجهات والدول التي تراقب بشكل «خاص» ودوري حال الحريات الدينية في دول العالم. لذلك، أدعو الجميع إلى الاقتداء بالمجتمعات المتحضرة، في التزامها بإجازة تداول كتب دينية تتعارض مضامينها مع معتقداتهم. «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».


تعليقات

اكتب تعليقك