إرهابي‏..‏ رواية أمريكية في الاتجاه المعاكس

منوعات

196 مشاهدات 0


حين غادر الأديب الأمريكي الكبير جون أبدايك ضواحي أمريكا بعد عامه السبعين لم يتخيل أحد أنه بصدد كتابة رواية بعنوان إرهابي وهو الذي قضي عمره الأدبي كله في الكتابة عن عوالم الضواحي الأمريكية بداية من قصته الأولي التي أرسلها في عام‏1954‏ إلي مجلة ذي نيويوركر لتبدأ شهرته التي أوصلته إلي دخول القرن الجديد برتبة آخر أكبر الروائيين الأمريكيين الذين هم علي قيد الحياة‏.‏ وجون أبدايك المولود عام‏1932‏ جاءت روايته الجديدة إرهابي لتثير حوله الكثير من اللغط النقدي والاجتماعي‏,‏ فالأديب الذي كرس كتابته كلها لملاحقة القدرة المدمرة للإيمان كما يقول جاك ديبليس صاحب كتاب موسوعة أبدايك‏,‏ بدا الآن وكأنه يتفهم ـ وبعمق ـ الأثرش الكلي للإيمان‏,‏ بل ـ وهذا هو الأهم ـ الأثر الكلي لليأس من مؤسسات المجتمع‏.‏ لقد وقف أبدايك إلي جانب الضحية في روايته‏,‏ ووجد لها مبرراتها كضحية للمجتمع العالمي‏,‏ أو المجتمع العولمي إذا جاز القول‏,‏ وهذا ما أفزغ النقاد والقراء الأمريكيين الذين اعتادوا أن ينظروا بريبة لكل ما هو مسلم ولكل ما هو عربي‏,‏ فأينما يوجد عربي فهناك قنبلة في طريقها للتفجر كما يصور لهم إعلامهم بقوته هائلة القدرة والتأثير‏,‏ ولذلك فقد راعهم تصوير أبدايك لبلادهم كأشد البلدان استرسالا في العنصرية وغرقا في تخمة الاستهلاك‏,‏ واستغراقا في عصر الخفة السوقية‏,‏ واصفا المسلسلات التليفزيونية الحمقاء المخدرة للأذهان وتلال الطعام الرديء وملابس الفتيات المثيرة للغرائز‏.‏ وقد دفع ببطله أحمد المولود لأم أيرلندية وأب أمريكي‏,‏ للنفور من كل هذا الإسراف والمبالغة الأمريكيين‏,‏ ليري في التدين وسيلة للهروب من واقع أسري ممزق وواقع اجتماعي إعلامي للحد الأقصي‏.‏ يقول أبدايك عن بطله لقد أردت ابتكار شخصية إرهابي ولد في بلد عربي‏,‏ وعرض بعض أوجه شخصيته لتوضيح ما يحمله علي التحول إلي قنبلة بشرية‏.‏ وبرغم أن رواية إرهابي هي رواية أبدايك الثانية والعشرين‏,‏ وبرغم فوزه بجائزة بوليتزر مرتين‏,‏ وبرغم ترشحه المستمر لنيل جائزة نوبل في الآداب‏,‏ ورغم اختيار الأمريكيين روايته الأرنب المكتوبة عام‏1960‏ ضمن أفضل الروايات الخمس والعشرين التي صدرت في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة‏,‏ فإن كل ذلك لم يحصن أبدايك ضد هجمات النقاد الشرسة‏,‏ فقد كتب كريستوفر هيتشنز في مجلة أتلانتيك منثلي يقول عن الرواية إنها أسوأ نص كتبه شخص بالغ منذ الأحداث التي استلهمها بهذا القدر من الاستخفاف‏,‏ قاصدا أحداث سبتمبر‏.‏ كما كتبت النيويورك تايمز عن بطل الرواية قائلة إنه صورة رائجة ليس به أي مصداقية وأقرب إلي رجل آلي منه إلي كائن بشري‏,‏ كما قال جاك ديبليس‏:‏ لقد فاجأني ذلك التعاطف الذي يبديه حيال شخص يقف علي النقيض من المصالح الغربية‏.‏ ورغم كل هذا الهجوم‏;‏ فإن جون أبدايك قد صرح لشبكة الـ‏(‏سي‏..‏إن‏.‏إن‏)‏ أن بأن الرواية ترسم صورة ودودة لرجل وقع في مؤامرة‏,‏ وأعرب عن أمله في أن يبدي القراء بعض التسامح من أجل فهم الدوافع التي تحرك الإرهابي‏.‏ ولكن يبدو أن الأمريكيين الذين شاهدوا برجيهم يسقطان ليست لديهم الرغبة أبدا في تحمل ولو قدر صغير من المسئولية عما حدث‏.‏ لقد ارتاح الأمريكيون لضرب أفغانستان والعراق في سبيل الحرب المقدسة علي الإرهاب‏,‏ دون التسامح بشأن الدوافع التي تجعل من الإرهابي إرهابيا‏.‏ ولذا فإن الصورة الودودة التي قدمها أبدايك هي آخر ما يتوقعه الأمريكيون من رجل شاهد من سطح مبني في بروكلين بضاحية نيويورك برجي مبني التجارة العالمي في لحظة السقوط الأخير‏.‏ والحقيقة أن المثير للاهتمام بشأن هذه الرواية هو‏:‏ لماذا تحول البطل إلي الإسلام؟‏.‏ فإن كان البطل يتحدر عن والدة أيرلندية ووالد أمريكي انفصلا بعد تدهور حياتهما الزوجية‏,‏ وإذا كان البطل قد راعته كل هذه الرداءة التي تسكن الحياة الأمريكي العصرية‏,‏ وإذا كان تحول البطل إلي قنبلة بشرية بمثابة ضربة احتجاجية تجاه الوحدة والسخف والكذب‏,‏ فلماذا تحول البطل إلي أحمد عشماوي بتأثير إمام أصولي مسلم؟ لعل الإجابة عن هذه الأسئلة بسيطة وواضحة‏.‏ إن الأمريكيين لا يمكنهم تصور الأصولية دون غلاف مكتوب فوقه صنع في البلدان العربية والإسلامية‏.‏ ورغم محاولات رسم البعض للإرهابي في صورة ودودة فإن الإرهابي لابد أن يكون مسلما‏,‏ حتي ولو كان من مواليد نيويورك‏,‏ ولابد أن يعتنق الأصولية علي يد إمام مسلم‏.‏ فأينما يوجد المسلم فثمة قنبلة في طريقها للانفجار‏!‏

تعليقات

اكتب تعليقك