نصيحة لأمريكا: تجنبي إهانة الصين.. بقلم ريتشارد هاس

الاقتصاد الآن

429 مشاهدات 0



منذ أكثر من ثلاثة عقود وأنا أسافر إلى الصين، لكنني لم أواجه زعامة صينية غير متيقنة من مستقبل البلد كالزعامة الحالية. لا نبالغ كثيرًا إذا قلنا إن أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان يقف على عقبيه. والمفارقة أن الزعماء السياسيين في الولايات المتحدة وآسيا منشغلون بالجدل حول أفضل السبل لمواجهة ما يعتبرونه تهديدًا من جانب الصين، بينما الزعماء السياسيون في الصين يناقشون أفضل السبل لمواجهة الأخطار الكثيرة التي يتصورون أنها تهدد الصين.

ومعظم الأخطار التي يعتبر الصينيون أنها تهدد بلدهم تأتي من الداخل. فعلى مدى ثلاثة عقود اعتمدت الصين على النمو القوي الذي يتأتى إلى حد كبير من الصادرات المتزايدة، وذلك للمحافظة على مستويات عالية من التشغيل ورفع مستويات المعيشة، الأمر الذي يضمن الهدوء الاجتماعي.

ربما أخذت هذه الحقبة مجراها الطبيعي. فسنوات من النمو الاقتصادي المنخفض في أوروبا والولايات المتحدة (واحتمال مجيء المزيد) حدت من قدرتهما على استيعاب البضائع الصينية. وهناك أيضًا مقاومة متزايدة لسياسة الصين المتمثلة في الإبقاء على عملتها عند مستويات منخفضة بشكل مصطنع من أجل خفض تكلفة صادراتها للمستهلكين في أوروبا والولايات المتحدة.

إن الضغوط المحلية – الحاجة لانتشال مزيد من مئات الملايين من الصينيين من الفقر، والامتعاض المتزايد من عدم المساواة في الدخل والثروة، والحاجة لإبقاء معدلات النمو عالية - تدفع بدورها الصين لإيجاد شيء يكمل، إن لم يكن يحل محل، النمو الذي تقوده الصادرات. والنتيجة هي أن الصين في الأيام الأولى من مرحلة انتقالية، مرحلة يتعين بصورة متزايدة أن يتأتى فيها النمو من زيادة الطلب المحلي. ومثل كل المراحل الانتقالية، فإن الدعوة لإعادة التوازن الاقتصادي أسهل من تحقيقه.

والأمر الذي يجعل من الصعب تحقيق ذلك هو التضخم وفقاعة الإسكان اللذين يجب السيطرة عليهما. هذه الضغوط تستلزم اتباع سياسات تهدئ الاقتصاد – شيء له جدوى اقتصادية في المدى الطويل، لكنه ينطوي على خطر التعرض لانتقاد سياسي في المدى القصير. ويتمثل تعقيد آخر في أنه يجب على الصين أن تضطلع بالتحول الاقتصادي وسط تحول سياسي. وتفصل الجيل التالي من القادة سنة عن تولي مهامهم. وسيواجه من يتسلمون زمام القيادة مجموعة مثبطة من التحديات التي سبق ذكرها: بيئة آخذة في التدهور (عندما كنت في الصين مؤخرًا كان مجال الرؤية لا يتجاوز بضع مئات من الأمتار وكان من المستحيل على المرء أن يتنفس)، وسكان شائخون، ومناخ سياسي هش بصورة متزايدة. والاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها القرى الجنوبية في هايمين وفوكان ليست إلا رأس جبل الجليد. لقد شهت الصين أكثر من 100 ألف احتجاج واسع النطاق في العام الماضي، معظمها بسبب تظلمات من مصادرة الأرا،ضي إضافة إلى البطالة والبيئة.

وهناك أيضا تطورات خارج الحدود. فالدبلوماسية الصينية الخرقاء والحديث عن الحقوق الخاصة في بحر الصين الجنوبي جعلت البلد معزولا في المنطقة. ونتيجة لذلك هناك اهتمام أكبر بالعمل مع الولايات المتحدة لموازنة الصين. والمسؤولون الصينيون أيضًا غير مرتاحين بشأن إمكانية فوز القوى المؤيدة للاستقلال في انتخابات تجري في تايوان هذا الشهر. ويشعر الصينيون بالقلق أيضًا حول العروض الغربية التي تقدم لبورما. وأوجدت وفاة كيم جونغ- إل في كوريا الشمالية إمكانية حدوث تغيير في شبه الجزيرة الكورية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تدفق اللاجئين على الصين، واندلاع نزاع مع، أو حتى زوال، كوريا الشمالية. ويمكن أن يشكل الاحتمال الأخير هذا انتكاسة استراتيجية. فالصين لا تريد أن ترى شبه القارة الكورية موحدة تحت راية سيئول وفي فلك الولايات المتحدة.

سيكون من المغري لبعضهم في الولايات المتحدة والمنطقة (وبخاصة أولئك الذين يرون في الصين تهديدًا متزايدًا) أن يحاولوا استغلال هذا الوضع، لكن كمعظم الإغراءات، ينبغي مقاومة هذا الإغراء. فليس من مصلحة العالم أن يعزل الصين، أو زيادة أي شعور بالامتعاض قد يكون لدى الصينيين، بل يظل في مصلحة العالم كثيرًا أن يتم دمج الصين في ترتيبات عالمية لإدارة الاقتصاد، والحد من التغير المناخي، والتغلب على ارتفاع نسبة المواليد العالية. وهناك حاجة لمساعدتها إذا ما أريد لكوريا أن تتوحد بصورة سلمية وأن يتم منع إيران من الحصول على أسلحة نووية والحؤول دون فشل باكستان.

لا يوجد أي سبب لإهانة الصين. وينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يتجنبوا تكرار وصف وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، لبحر الصين الجنوبي بأنه ''بحر الفلبين الغربي''. هذه التصريحات تثير الضغوط الوطنية في الصين التي يغذيها مئات الملايين من مستخدمي الإنترنت. إن آخر شيء يريده العالم هو صين تسعى لتهدئة الإحباط المحلي من خلال المغامرة في الخارج.

ينبغي أن يتمثل أحد الأهداف في جعل الصين تفي بالتزاماتها الدولية وأن تعمل من خلال المؤسسات. كذلك ينبغي أن نترجم أقوالنا إلى أفعال. وهذا يعني متابعة الخلافات المتعلقة بالتجارة من خلال منظمة التجارة العالمية وليس من خلال التصرف الأحادي الجانب. وهذا يستلزم أن يضع الكونغرس في حسبانه حقيقة أن قيمة اليوان ارتفعت بعض الشيء، وأن الفائض التجاري الصيني آخذ بالانخفاض، وأن صادرات الولايات المتحدة إلى الصين في مستوى عال.

ومن المساعد أيضًا أن نحتفظ بنظرة إيجابية إلى الأمر. فربما تكون الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكن ناتج الفرد فيها هو في أحسن الأحوال خُمس ناتج الفرد في معظم البلدان المتقدمة. إن الصين تبني نفسها عسكريًا، لكن إنفاقها العسكري قد يكون ربع إنفاق الولايات المتحدة. لا ينبغي أن تكون المسألة صعود الصين الذي لا بد منه حتى لو قلل كثيرون من شأن العقبات التي تلوح في الأفق، بل ينبغي أن تكون المسألة شخصية صين أقوى. إن التحوط ضد إمكانية صين أكثر عدوانية أمر جميل، لكن تبني سياسة الاحتواء يعتبر سابقًا لأوانه ويمكن أن يساعد بالفعل على خلق علاقة تتسم بالعداء لن تخدم مصالح أي طرف.

الآن : الاقتصادية

تعليقات

اكتب تعليقك