هل سيكون التيار الديني أوفق في توحيد العرب؟ خليل حيدر متسائلاً

زاوية الكتاب

كتب 778 مشاهدات 0


الوطن

أفكار.. وأضواء  /  هموم عربية.. في قرين الكويت!

خليل علي حيدر

 

الواضح لنا حتى الآن وجود فوارق في الأولويات وبعض التوجهات ودرجة التشدد بين مختلف الجماعات الإسلامية
نحن بحاجة إلى تحرير التعليم والاقتصاد والفكر والارادة السياسية مع التسامح الاجتماعي والحرية الدينية واحترام حقوق الإنسان
تساءلت الوزيرة الكويتية السابقة د. موضي الحمود في «ندوة القرين» التي عقدت في يناير 2012، لماذا نجح الشباب في تحريك اوضاع العالم العربي وفشلت النخبة؟ لماذا قادت هذه الشريحة الاجتماعية حركة تغييرية بهذا الشمول بينما اكتفت النخب الفكرية والسياسية لسنوات طويلة بالتنظير والتسويف؟
ورغم دقة هذه الملاحظة وموافقة الكثيرين عليها، الا ان الشباب في كل دول «الربيع العربي» يشعر بانه غرر به وخدع، وان هذه الثورات ليست ما أرادها!
بل سرعان ما تحركت نفس النخب، بما فيها القوى السياسية التي حرمت الخروج على الحاكم، لتسرق الحركة وتقطف ثمارها. فهل كانت حركة الشباب غير مدروسة؟ وهل حسبوا حساباً للنجاح وسقوط ما سقط من أنظمة؟ هذه في اعتقادي من المسائل التي سيدرسها الباحثون فيما بعد.
استاذ الادب الانجليزي، وعلمي النفس والاجتماع، التونسي د. محمود الذوادي، قال بان الثورة لم تستقطب الشباب وحدهم بل وكذلك الكهول وكبار السن.. فلماذا؟ لماذا التحم الشيب والشباب ضد الاوضاع السائدة؟ ثم الى اين نحن ذاهبون؟
الباحث الكويتي احمد شهاب، رئيس «الفريق الكويتي لمبادرة الاصلاح العربي»، حذر من غياب ثقافة التغيير. د. نادر كاظم من البحرين تحدث في مجال «تسييس المثقف او تثقيف السياسي»! واستعرض د. كاظم، استاذ النقد في جامعة البحرين التعريفات المتداولة للمثقف ونماذج المثقفين. وقال ان الدولة ابتلعت ساحة المثقف في عهد الاستقلال، و «قضي على المثقف بالعصا او بالجزرة»!
المغربي د. سعيد بنكراد وسع اطار اللوم والنقد الذاتي قائلاً في نفس الجلسة، «نحن شعوب ادمنت المطلقات ولم تنجب سوى الانظمة المستبدة».
الباحث والمترجم المعروف، شوقي جلال، انتقد بمرارة حركة الترجمة العربية كما وكيفا. فنحن نترجم 400 عنوان كل سنة بينما تترجم اسبانيا عشرة آلاف! ناهيك بان اعمال الترجمة في بلداتنا تتم بدون خطة وبلا تنسيق!
وفوق ذلك، لاحظ الاستاذ عبدالمحسن المظفر، وجود تقصير شديد في الترجمة من اللغات الشرقية مثل اليابانية والصينية والتركية والاردية والفارسية.
الاستاذة غادة الحجاوي من الكويت، تساءلت: ماذا عن الترجمة من العربية الى اللغات الاخرى، وتحدثت عن تجربتها في ترجمة كتاب «الذخائر والتحف». الكاتب الصحافي فهد الهندال تساءل عما اذا كانت بداية حركة التغيير من خلال الثقافة الرقمية التي اضافت بالفعل جديداً الى ادوات التغيير تستحق الدراسة.
اللبنانية الاستاذة منى فياض فاجأت المشاركين عندما قالت «نحن لاننتج مايستحق الترجمة». وردت د. فياض على بعض النقاد قائلة: «العولمة المتوحشة استفاد منها الهنود بينما لم تستطع مصر وتونس منافستها في ذلك». والملاحظة ربما كانت وجيهة جداً، فلماذا لايعادي مثقفو الهند العولمة والولايات المتحدة بالحجم الذي نراه في مصر وشمال افريقيا ودول عربية اخرى؟
كان د. محمد الاحمري، الباحث والمفكر السعودي بين المشاركين في جلسة الحوار حول مستقبل التغيير في العالم العربي وحدوده. وطرح فكراً توافقياً بين مختلف التيارات لانتشال الواقع العربي في بلدان عديدة، وبخاصة بين التيار الاسلامي والليبرالي والوطني التقدمي. ولكن هل هناك امل في الوصول الى هدف مشترك من قبيل خلق دولة ديموقراطية حديثة على النموذج الدولي السائد؟ هل هناك موافقة على ان القوانين الدولية والتشريعات الانسانية ينبغي ان تهيمن او تسود على قوانين وتشريعات المجتمعات العربية، هل العالم العربي، وبخاصة بقيادة الاسلاميين، جزء من المجتمع الدولي المعاصر، ام طليعة عقائدية مجاهدة لمجتمع اسلامي قيد التشكل؟
فكما يلاحظ الكثير من القراء والمتابعين، الاسلاميون يصلون الى الناس والشرائح الشعبية، وهذه نقطة قوتهم السياسية، بينما ينتمي الليبراليون الى توجهات العصر او على الاقل يحاولون ذلك. ومنشأ الريبة ان الناس تعرف الليبراليين ولكن الجماعات الاسلامية مجهولة خارج السلطة بسبب سريتها وكذلك داخل السلطة لانها لم تجرب في مصر وتونس وليبيا واماكن اخرى.
ويتحدث الكثير من المراقبين عن اعتدال الاسلاميين وتفهمهم للاوضاع. ولكن هل هذا «الاعتدال» قناعة راسخة ام مجرد نزعة سياسية مؤقتة؟ هل الاسلاميون في هذه الدول مع الثورة ام التغيير السياسي وحده؟ هل هم مع الديموقراطية ام حرية الانتخابات؟ الاسئلة كثيرة في هذا المجال، ولا داعي لاصدار الاحكام مقدماً!
ويمكن على صعيد آخر التساؤل. هل سيكون التيار الديني انجح واوفق في التقريب بين الدول العربية وربما توحيدها، من التيار القومي؟
الواضح لنا حتى الآن وجود فوارق في الاولويات وبعض التوجهات ودرجة التشدد بين مختلف الجماعات الاسلامية، بل بين جماعة الاخوان المسلمين من بلد لآخر. وبرز التوتر في هذه الجماعة بالذات، وابدت الجماعة في هذه الدولة او تلك استياءها من هيمنة الاخوان في مصر مثلاً على مصير الجماعة وسياساتها. وقد تم توثيق جوانب من هذا الخلاف في مجموعة الاوراق والبحوث التي اصدرها د. عبدالله النفيسي عام 1989 بعنوان «الحركة الاسلامية: رؤية مستقبلية – اوراق في النقد الذاتي». والارجح استمرار الحواجز والخلافات بين الدول العربية على الصعيد السياسي والاقتصادي وربما حتى مشاكل الحدود في ظل الانظمة الجديدة.
وتبين كذلك مما طرحه بعض المشاركين في الندوة ان كلمة «المصالح الغربية» لاتزال غامضة في اذهان البعض. وكان رأيي أن الدول الغربية في امريكا وأوروبا وغيرها تهتم بمصالحها لان ثمة برلمانات واجهزة اعلام ونقابات ورأي عام تحاسبها.
وعلينا ان نطور الاهتمام بمصالحنا الى هذا المستوى المسؤول من الرعاية والمتابعة. ثم اننا نقول ان البلدان الغربية تضع النفط في مقدمة مصالحها الخليجية والعربية. ولكن امريكا واوروبا لا تنهب نفط الكويت مثلا بل تشتريه بسعر السوق. وهو سعر قد ينخفض الى عشرين دولارا وقد يصل الى مائة وعشرين وزيادة. ثم ان معظم نفط الخليج يذهب الى آسيا لا الى الولايات المتحدة. كما ان الكويت لم تخضع حتى بعد ان حررتها امريكا ودول التحالف، للسياسات النفطية الامريكية، ولم تجد الشركات الامريكية الدرب ممهدا في الكويت لتفعل ما تشاء! ان المشكلة التي تحتاج الى بحث طويل ليست ما تفعل امريكا واوروبا وآسيا بنفطنا، بل ما نفعله نحن بهذه الثروات المليارية الجبارة التي تنهال علينا في هذه الفرصة التاريخية! اما عن وقوف الغرب وامريكا مع اسرائيل فهذه قضية يطول شرحها، ويمكننا القول اختصارا ان اسرائيل تعد نفسها سياسيا وعسكريا وثقافيا واجتماعيا حليفا استراتيجيا ثابتا للغرب. فهل هناك دولة عربية واحدة على استعداد لان تلعب هذا الدور او تقترب منه؟
ثم اننا عبر ثمانين سنة كنا في صراع متصل مع اوروبا وامريكا. وتحالفنا مع المانيا النازية من العراق الى فلسطين ومصر ضد الانجليز والفرنسيين، وبعد الاستقلال انتقل تحالفنا الى الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي المضاد للغرب، ثم دخلنا عصر الانظمة الاستبدادية العربية، ثم خرجنا منها عبر «الربيع العربي» وثورات 2011 لننتخب باغلبية كاسحة الاخوان المسلمين والسلفيين. فكيف لا نريد الغرب ان يتخوف منا، وان يعمق تحالفه مع اسرائيل؟ ومن الشعارات المرفوعة بين المثقفين العرب دون تفكير، ومنذ سنوات طويلة، ربط التقدم الاقتصادي، بل كل تقدم، بالوحدة العربية! ولا شك ان للوحدة بين اية مجموعة من الدول فوائد جمة، ولكن هذا لا يجعلها شرطا للتقدم الاقتصادي ورفع المستوى المعيشي واحتلال ارفع الدرجات. ولعل كوريا الجنوبية والبرازيل وسنغافورا افضل الامثلة.
بل ان الناتج القومي في اسرائيل نفسها متفوق بدرجات على البلدان العربية، وانتاجية الانسان العامل اضعافها في هذه «البلدان المجاورة» لها! نحن بحاجة الى تحرير التعليم والجامعات والاقتصاد والفكر والارادة السياسية والتسامح الاجتماعي والحرية الدينية واحترام حقوق الانسان. اما شعارات «الوحدة» و«مقارعة الاستعمار» وغيرها.. فبحاجة الى تأمل! ومن الاسئلة التي تطرح نفسها اليوم في ظل حركات التغيير الثورية: هل من الافضل اقتلاع النخب السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم العربي والاطاحة بها، ام التوجه نحو تغيير الاوضاع وخلق الواقع الجديد دون الدخول في مثل هذا الصراع؟ وهل هدف قوى التغيير العربية بناء نظام ديموقراطي عصري يماثل ما هو قائم في اوروبا مثلا، ام بناء انظمة كتلك التي يحلم بها الاخوان المسلمين والسلفيون؟ ثمة عناصر اساسية في اعتقادي شكلت خلفية تحولات سنة 2011. منها، قيم العصر الجديد، كالعلم وحرية الارادة وحقوق الفرد. وتزايد الفجوة بين العقل الذي يولده العصر وادواته من جانب وقيم الخضوع الموروثة. وقد اثار استغرابي في ندوة القرين عدم ايلاء المجتمعين «تعليم الربيع العربي» اي اهتمام واضح. فنحن لم نقف مطولا وبعمق عند مأساة التعليم العام والاكاديمي في بلداننا، رغم ان التعليم كان الاداة المحورية في النهضة الآسيوية مثلا. ما المطلوب عمله مع التعليم والجامعات في مصر وتونس وليبيا وبقية الدول؟ لا احد يعرف حتى الان بوضوح وتفصيل.
من القضايا الاخرى التي تمنيت ان تحظى باهتمامنا هذا الجشع المادي وهذه اللامبالاة السياسية بحقوق الناس التي أبداها قادة مصر وتونس وليبيا، ولا يزال بالطبع الاثنان سائدين في دول عربية عديدة. لماذا لا يكتفي الزعماء بملايين الدولارات ويقفزون الى حيازة المليارات؟ ولماذا لا يقنعون بمنزلين او خمس منازل ويحاولون بناء قصر في كل بلد ومدينة؟ ولماذا لا يلتزمون بخمس او عشر سنوات في السلطة بل يسعون أبداً نحو تحطيم الارقام القياسية في الحكم.. قبل توريث الابناء والزوجات!
ومن المحزن والمخيب للآمال حقا ان استعادة الثروات المصرية والليبية المبعثرة مثلا بين مختلف القارات والشركات ليست بالعملية السهلة. بل هي على العكس متعبة ومكلفة، ولا تنجح هذه الشعوب دائما في استرداد اموال ضخمة جدا بسبب حواجز قانونية واجرائية!
ثم ان ما انهار تحت ضغط الثورات او التحولات او الانتفاضات عام 2011 كان القمع السياسي ونظمه فقط، وفي بعض الدول العربية لا كلها! ثم انه تبقى رغم ذلك اشكال اخرى راسخة من القمع والتسلط في حياتنا وفي ثقافتنا، في المجال الفكري والاجتماعي والديني والعلاقات بين المرأة والرجل وبين الاقليات والاغلبيات.. لم تمس حتى الآن!
وهذه ربما كانت بحاجة الى «ندوة قرين» أخرى قادمة!

الوطن

تعليقات

اكتب تعليقك