لماذا نجدد العضوية لنواب ثبتت عدم اهليتهم على أرض الواقع؟.. يتسائل عبد اللطيف بن نخي

زاوية الكتاب

كتب 365 مشاهدات 0

د. عبد اللطيف بن نخي

الراي

رؤية ورأي- الكويت والقرية

د.عبد اللطيف بن نخي

 

في انتخابات مجالس المحافظات قبل الأخيرة، اجتمع أحد المرشحين بأبناء قريته في بيت شيخ القرية ووعدهم بأنه في حال فوزه سيعمل على توفير الخدمات الأساسية لقريتهم، وأهمها مد أنبوب للمياه الصالحة للشرب الى قريتهم. ولكنه بعد الفوز انشغل بتكوين ثروته من خلال مناقصات في القطاع النفطي وطرق أخرى. وأما الذين انتخبوه، فاستمر بالتواصل معهم ولبى الطلبات الشخصية للمقربين منه، واكتفى بالتظاهر بالعمل من أجل تحقيق وعوده الانتخابية للقرية.

وعند اقتراب موعد الانتخابات التالية، جمع أبناء القرية من جديد في المكان نفسه وناشدهم إعادة انتخابه مقابل الوعود السابقة ذاتها، ولكنه هذه المرة ركز على إنشاء شبكة الكهرباء! في هذه الأثناء، قدم له شاب مثقف وعاء فيه ماء من النهر الذي يشربون منه، وهو ملوث بالطحالب. فتحير المرشح بين شرب الماء وتبعاته على صحته وبين الامتناع عن شربه وتبعاته على مستقبله السياسي. وبعدة فترة من الحيرة، دمعت عيناه. فسأله شيخ القرية عن السبب، فأجابه بأنه تذكر عطش الحسين، عليه السلام. فبكي الحضور، ثم أعادوا انتخابه مرة أخرى.

هذه القصة انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي - نقلتها لكم بتصرف - وكانت مذيلة بتعليق من مرسلها، بأنها تحكي «واقع الحال عند بعض ربعنا». وأنا أتفق مع المرسل في تعليقه، وأجزم بأنك تشترك معنا في الاستياء من هذا البعض الذي يسهل تضليله. ليس لخلل في الدين - كالبكاء على سيد الشهداء - والعياذ بالله، بل لجهل فيهم وخبث في السياسيين الذين يستغلون الدين ليعيثوا في الأرض فساداً.

ولكنني أتساءل: إذا كانت هذه الغفلة السياسية مقتصرة على البعض منا، فلماذا نجدد العضوية - في شكل متصل أو متقطع - لنواب ثبتت لدينا عدم اهليتهم بنتائج ملموسة على أرض الواقع؟ فالفساد في ازدياد والتنمية مجرد أمنية. فهل صحيح ان البعض منا مضلل سياسياً، أم أن واقعنا السياسي مقارب لما تعاني منه القرية؟

يتفق المراقبون على أن البعد الديني محوري في كل الحملات الانتخابية في الكويت إلا ما ندر. لذلك يحرص النائب والمرشح على التواجد - شخصيا أو من خلال كوادره الانتخابية - في أماكن العبادة كالمساجد والحسينيات، وعلى المشاركة في المناسبات الدينية، كالحج والعمرة. وهذا الحرص يزداد كلما اقترب موعد الانتخابات. فالمجتمع الكويتي - في مجمله - لا يزال يخلط بين الصفات المنشودة في الصهر أو النسيب وبين تلك المطلوبة في عضو مجلس الامة. لذلك معظمنا - كأبناء القرية - يتأثر رأيه السياسي في المرشح عندما يراه في المسجد أو في الحرم، بل حتى حين يسمع كلامه عن الرسول وآل بيته - عليهم الصلاة والسلام - في لقاء تلفزيوني أو في عمل فني.

عقيدة المرشح الدينية، شأن بينه وبين ربه، ولا تعنيني كناخب وإن كانت عامل أساس عند أداء العبادات كالاقتداء في الصلاة وحين المصاهرة. وعقيدته السياسية هي ما يجب أن يكون من أهم معايير المفاضلة بين المرشحين. فإن كانت عقيدته السياسية لا تلزمه صون الحريات الدستورية، ومنها الدينية، استبعدته تماماً من عملية المفاضلة، والعكس صحيح. فمثلا المرحوم نبيل الفضل (السني) كان أكثر تطابقاً مع وجهتي الانتخابية من مرشح (شيعي)، يخشى من مواجهة الطائفيين الإقصائيتين.

البعد الديني في الانتخابات الكويتية تجاوز القضايا الدينية ليشمل الصراع الاقليمي. لذلك يحرص بعض النواب على الظهور كداعم لأحد المحاور المتقاتلة في المنطقة، من خلال لقاءات تلفزيونية أو بتغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر إعلانات المشاركة في حملات جمع تبرعات أو بصور فوتوغرافية تظهره بين مقاتلين وقياداتهم. فهم يعلمون جيدا بأن أسهمهم الانتخابية ترتفع عند إزياد وقوة حضورهم في هذا الميدان.

وأما النائب الذي يتحرج من المجاهرة بمواقفه من الاقتتال الاقليمي، فيلجأ إلى التحالف مع مغردين ناشطين ومعروفين بجرأتهم في ملفات المواجهة الإقليمية، على أن يوجهوا معجبيهم في فترة الانتخابات مقابل تلبية النائب لطلباتهم خلال فترة عضويته. المراد أننا مثل أهل القرية، نعيد انتخاب النائب لأن مواقفه - أو مواقف مفاتيحه الانتخابية - الإقليمية شجاعة وإن كان أمام منظومة الفساد المحلية جبانا أو عنصرا فيها.

ما أريد أن أوضحه في هذا المقال، هو اننا كشعب شركاء في منظومة الفساد لأننا تهاونا كثيرا في أداء مهامنا الدستورية، ومنها انتخاب الأكفأ للبرلمان. فنحن لا نختلف كثيراً عن سكان القرية الطيبين البسطاء الذين خدعهم نائبهم. فكم من مرة أعدنا انتخاب نواب خاملين وفاسدين، لأنهم خدعونا بالتسابق الطائفي والعرقي على عدد المقاعد في المجلس. وكم من مرة استبعدنا مرشحاً كفوءاً لمجرد أن منظومة الفساد احتالت علينا بأن حظه في النجاح ضئيل، ما يتهدد ضياع المقعد لمرشح من طائفة أخرى.

أليس بيننا من ينزه بعض النواب عن الكذب والتورية بدرجة تشل الرقابة الشعبية عليه؟ أليس فينا من ينتخب نائباً فقط لأنه أنجز له معاملة حكومية كالعلاج في الخارج - وهو يعلم بأنها من حقوقه - ولكن قوى الفساد عرقلتها لنلجأ إلى «المناديب» الذين صنعتهم... «اللهم أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه».

 

الراي

تعليقات

اكتب تعليقك