من يريد أن يحارب توظيف الحكومة للمال السياسي عليه أن يكافح توظيفه من الاطراف الأخرى .. برأي عبد اللطيف بن نخي

زاوية الكتاب

كتب أرشيف المقالات 905 مشاهدات 0

د. عبد اللطيف بن نخي

الراي

رؤية ورأي- نحن والمال السياسي

د. عبد اللطيف بن نخي

 

بعد الضجة التي تبعت تسريب تسجيل مكالمة هاتفية بين نائب حالي ومواطن، في وسائل التواصل الاجتماعي، حول مساعدات يقدمها مجلس الوزراء إلى مواطنين معسرين، وما تبعها من تهديد النائب الفاضل رياض العدساني باستجواب رئيس الحكومة، إذا كانت تلك «العطايا» تمر عبر نواب مجلس الأمة، صرح مجلس الوزراء قبل اسبوعين بأن تقديم العون والمساعدة للمواطنين، سواء عن طريق الجهات الرسمية أو المؤسسات والهيئات الخيرية، يتم وفقاً للآليات والقنوات والإجراءات والنظم المالية المعتمدة التي تكفل وصول المساعدات إلى مستحقيها بشكل مباشر وبصورة عادلة من دون حاجة إلى أي وساطات.

يبدو لي أن ملف هذه الحالة قد أغلق على المستوى الرسمي بعد هذا التصريح، كما أغلقت ملفات مشابهة في السنوات الماضية. ولكنني سوف أفتح في هذا المقال، الملف الأخير وما شابهه، من أجل تقييم كفاءتنا في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لكشف ملفات فساد والتصدي لها.

هناك سببان رئيسان لاستياء الناس - وأنا منهم - من وساطة عضو مجلس أمة في صرف عطايا من مجلس الوزراء إلى مستحقيها. الأول هو معرفتهم بأنها ستخل بطبيعة العلاقة الدستورية بين المجلسين وتحديدا الدور الرقابي للنائب على أداء الحكومة. والثاني لاعتباره من صور شراء الأصوات لمصلحة النائب الوسيط للانتخابات اللاحقة.

ولكنني في الوقت ذاته، أتساءل ماذا سيكون موقفك من نائب رفض الوساطة لدى مجلس الوزراء لمساعدتك في سداد شيك من دون رصيد، على سبيل المثال، عندما لجأت إليه بعد أن أغلقت جميع الأبواب أمامك؟ بل أتساءل لماذا لا نطالب نحن المواطنين - عبر نوّابنا - بإغلاق باب مساعدات مجلس الوزراء، وتحويل مخصصاتها المالية إلى الوزارات المعنية بتقديم المساعدات كوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وإلى المؤسسات والهيئات الخيرية التابعة للحكومة كالأمانة العامة للأوقاف وبيت الزكاة؟ والأولى أن أتساءل لماذا لا يبادر النواب الإصلاحيون بإغلاق هذا الباب لكي نتخلص كليا من ما اقترن به في السابق وما قد يقترن به مستقبلا من شبهات توظيف مال سياسي؟

لا أسعى في هذا المقال إلى إغلاق هذا الباب، ولا إلى تبرير بقائه مفتوحاً. ما يهمني هو ترشيد مشاركتنا في وسائل التواصل الاجتماعي، وعقلنة تعاطينا مع مشاركات الآخرين. فالوضع القائم لشبكات التواصل، والسلوك السائد لأعضائه، أشغل وما زال يشغل الناس في بعض المظاهر القشرية لمنظومات الفساد، وبشكل انتقائي في اختيار الحالات والأمثلة التي يتم فضحها.

فالعديد من ثورات البراكين الاعلامية ضد بعض صور الفساد ليست إلا أعراضا لصراع طاحن بين منظومات فساد، تسعى من خلالها إحدى عصابات الفساد إلى توجيه حمم بركانها نحو مواقع نفوذ ومصالح عصابات منافسة لها. وبشكل مواز وجهت مرارا تلك العصابات حمم براكينها نحو شرفاء أعاقوا مخططاتهم وأضروا بمصالحهم. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم سلاحا بيد عصابات الفساد، وهي أكثر فتكا من رصاصاتهم التي استهدفت عبدالله النيباري والمرحوم حمد الجوعان.

وإلا كيف يحارب الفساد عبر وسائل التواصل الاجتماعي من سعى في الأرض فسادا؟ وكيف يحارب توظيف المال السياسي من استفاد منه؟ وكيف يعارض الوساطات والمحاصصة في المناصب القيادية من تقلد مناصب لا يستحقها؟ وكيف يكافح سوء استغلال المناصب من استغل مناصبه؟ وكيف يطالب بالإنجازات والتنمية من تقاعس عن مسؤولياته في خطط تنموية سنوية سابقة؟

للأسف، العديد من صور الفساد يضطر الاصلاحي إلى ممارستها أحيانا بسبب الضغوط الاجتماعية الناتجة عن ثقافتنا المجتمعية المشوهة. فكم منا يقبل أن يرفض طبيبا ما منحه إجازة مرضية لمدة يوم واحد لا يستحقها إكلينيكيا؟ وكم منا يقبل أن يحرر له صديقه الضابط مخالفة مرورية يستحقها وفق قوانين المرور؟ وكم منا يقبل أن يرسب ابنه إذا كان أستاذ المقرر صديقه وإن كان تحصيله الأكاديمي دون مستوى النجاح بكثير؟ أحتمل أن معظمنا لا يقبل أيا من ما سبق، بحجة أن تطبيق القانون بصورة استثنائية في بيئة فاسدة، ظلم واضح وبين.

من يريد أن يحارب توظيف الحكومة للمال السياسي، عليه أن يكافح توظيف المال السياسي من قبل الأطرف الأخرى أيضا. كما عليه أن يتصدى للصور الأخرى من صور شراء الأصوات، فجميعها تفسد نزاهة الانتخابات البرلمانية وتزيّف رأي الأمة مصدر السلطات... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

 

الراي

تعليقات

اكتب تعليقك

captcha