العصبية بكل أصنافها جهالة تشيع الفتنة التي لا تبقي ولا تذر.. هكذا يرى محمد المقاطع

زاوية الكتاب

كتب أرشيف المقالات 918 مشاهدات 0

د.محمد المقاطع

القبس

الديوانية- التعصب.. جهالة

د. محمد المقاطع

 

بين ظهرانينا بعث رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، ومن جزيرة العرب وبلسانها نطق وحي رسالته إلينا، وقد أوصانا بوصية بليغة، فقد قال عليه الصلاة والسلام «ليس منا من دعا الى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» (صحيح مسلم).

إن من مظاهر وهن الأمم أن يشيع بينها سلوك التنافر والبغض والوشاية والشماتة النابع من التعصب المهلك للأمة والمفكك للدولة وتتصدع بوجوده كل قيم الحضارة والإنسانية.

وأشير هنا إلى ثلاثة نماذج لجهالة العصبيات المقيتة، وهي: الحزبية والطائفية والقبلية.

1 – ففي الفئة الأولى، وهي الحزبية، فقد رصدت السقوط المدوي لمعظم الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية العربية من بواكير نشأتها، وقد ترسخت وازدادت بمرور الأيام التي كشفت عدم مصداقيتها الوطنية وانهيار كل المبادئ التي تدعيها أو تنادي بها، فقد أثبتت الممارسات اصطفافها مع الحكومة بعضها ضد بعض؛ انقيادا لمصالح حزبية ضيقة، بل وتحريض بعضها على الآخر، وترويج إشاعات الإعلام وأبواقه لتظفر بمكاسب خاصة، وإقصاء الآخرين، فلا وجود للإيمان بالرأي الآخر، بل إنها تجنح إلى التخوين وأن تكون الجلاد فتلفق وتستهون مشاهد القتل والتصفية لا لشيء إلا طربا بتعصبها أن خصومها الفكريين أو السياسيين أو الحزبيين قد تمت إزاحتهم عن المشهد السياسي، فلا ترى إلا نفسها أو المنتمين إلى توجهها وليسحق كل مخالف، وهو ما خلف إرثا مريعا من الخصومة والتصفية الفكرية أو السياسية أو الجسدية المتواصلة تبعا لأحوال كل بلد، لكنها جميعا وقعت في مستنقع جهالة التعصب.

٢ – أما الفئة الثانية، وهي الطائفية، والمنهج الذي يسلكه البعض باعتباره حقيقة لتغذية الولاء الطائفي، فهناك دول صارت مذهبية ونموذجا للتعصب الطائفي؛ تغذية وتصديرا خارجيا وتصفية وتدميرا داخليا للطوائف الأخرى، وأخيرا إجراما وتقتيلا في سوريا. والعراق منذ 13 عاماً أدخل في حمامات الدماء المتلاحقة بسبب الطائفية القائمة على الإقصاء والتصفية. وأسجل أيضاً مواقف تعصب طائفي لشخصيات توجهاتها ليبرالية في الكويت، والكل يعرفون المقصود بهؤلاء، إذ إن منهم وللأسف من يساند سوريا والنظام في العراق من منطلقات طائفية لا ليبرالية، ويكتبون في نقد وربما جلد تيار سياسي ديني دون غيره، والإرهاب عند بعضهم حصروه في طائفة واحدة فقط! وحتى حقوق الإنسان وحمايتها فيها انحياز للطائفة وليست موضوعية، وكتاباتهم شاهدة على ذلك وأطالبهم وغيرهم أن يتخلوا عن هذا التعصب، وبالمثل فإن هناك من طائفة أخرى من يكون تعصبه أعمى ويتهم كل الطائفة المقابلة بصورة غير محقة وله كتاباته، والكل يعرفون المقصود بهؤلاء أيضا.

٣- أما الفئة الأخيرة، فهي العصبية القبلية التي عادت بنا بممارستها إلى الجاهلية الأولى، فلئن كان لا غضاضة في أن يعرف الإنسان أصوله ويعتز بها، لكن من نذر الفتنة والهلاك أن يبني الإنسان أعماله وقراراته وربما حياته على أساس ولاء قبلي، فلا يسعى إلى دفع ظلم ولا مطالبة بحق إلا لقبيلته، وولاؤه ليس للدولة ولا لمؤسساتها ولا لعمله، بل ولا للقيم الدينية أو المجتمعية، وإنما لقبيلته، والاصطفاف السياسي والانتخابي والمطلبي ليس منطلقاته وطنية بل محددات قبلية ما يكشف جهالة التعصب ومخاطره.

إن العصبية بكل أصنافها جهالة تشيع الفتنة التي لا تبقي ولا تذر، وهي علة تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم منها ونهيه عنها، إن إغراقنا لأنفسنا في جهالة التعصب قد أورثنا الفرقة والتشتت، ومكن لأعدائنا الهيمنة علينا، فهل عاد كل منا إلى صوابه ورشده إن كان فيه بقية من دين أو وطنية أو رجاحة عقل، فالوطن يجمعنا وعلينا الحفاظ على وحدته ونبذ التعصب فهو الجهالة بحقّ.

القبس

تعليقات

اكتب تعليقك

captcha