رسالة دكتوراة تكشف: الأديبات المصريات رفضن فكرة النسوية الغربية قبل الرجال

منوعات

380 مشاهدات 0


تقول إحدي أساطير الإغريق إن »زيوس« غضب علي الجنس البشري عندما سرق »برومثيوس« النار وأهداها البشر، فما كان من زيوس إلا أن أرسل »باندورا« وهي امرأة تحمل صندوقاً مغلقاً، وحينما فتحته تطايرت منها الشرور والخطايا وأصابت البشر. هل حقاً المرأة مصدر كل الشرور في العالم كما تريد الأسطورة الإغريقية أن نصدق، أم أن المرأة هي التي تحمل صندوقاً مغلقاً حينما تفتحه تتطاير منه ألوان من الفكر والإبداع والحب والجمال والرغبة في تأكيد الذات وأن لها هذا الحضور المؤثر في التاريخ مع الآخر/ الرجل. هذا ما فهمته من رسالة الباحثة زينب العسال بعنوان »النقد النسائي للأدب القصصي في مصر« والتي قدمتها لنيل درجة الدكتوراة وحصلت بها علي امتياز مع مرتبة الشرف الثانية من كلية دار العلوم بإشراف د. شفيع السيد ومناقشة كل من: د. محمود الربيعي، د. حسن طبل. في البداية تجد الباحثة زينب العسال أنه من الممكن تعريف الحركة النسوية »بأنها تتطلع إلي المساواة بين الرجل والمرأة، وهذا التعريف قائم في كل زمان ومكان، هذه الحركة تحمل بين أعطافها، تيارات تكمن فيها احتمالات الصراع، وتتسم بعدة سمات أهمها أنها تعاني عدم الاستمرارية، فهي تذهب وتجئ، تظهر وتختفي، لكنها تعاود الظهور من جديد، واختفاؤها مرجعه إلي أن المطالبات النسائية كحق التصويت والترشيح.. إلخ لم تحصل عليه المرأة، بل ظهرت صنوف جديدة من التعنت تجاه الرجل«. وتضيف الباحثة زينب العسال: لعل طبيعة الفكر النسوي تزيد من درجة الاحتقان تجاه كل ما هو غربي لما يطرحه من أسئلة من قبيل: كيف تم تصوير النساء في نصوص الرجال الأدبية؟ وما سر غياب النساء في التاريخ الأدبي؟ وهل ثمة جماليات نسوية أدبية مستقلة بذاتها؟ وما معيار عظمة الكتابة بشكل عام؟ ومن الذي يحدد هذه الصفة؟ وهل الرجال هم العظماء فقط؟ ألا توجد كاتبات عظيمات؟ بالإضافة إلي مطالب حددتها النسوية الغربية وطالبت بتطبيقها في جميع المجتمعات، الأمر الذي شكل صدمة لثوابتنا الثقافية الشرقية المحافظة، ولا شك أن مثل هذه المطالبات تشعر كل من يقف في الاتجاه الآخر بالخوف والريبة من أهداف الحركة النسوية. وهنا تعلو أصوات من بلداتنا العربية منددة بمثل هذه الحركات، وتصفها بأنها وجه آخر للهيمنة الاستعمارية وصورة قبيحة لأحد تجليات العولمة! وهو ما تنفيه الباحثة زينب العسال بقولها: إن النسوية هي أحد تجليات الفكر الإنساني، وقد أحدثت ضجة كبيرة منذ أعلنت عن نفسها ولعل مرجع ذلك أنها كيان فكري ـ فلسفي شكلت دائماً حلماً يحمل في طياته الثورة علي كل أشكال العنف والتطرف التي اصطلت بها المرأة في كل العصور. ولقد ارتبطت الحركة النسوية بالنقد النسائي كأبرز تجليات هذه الحركة في العصر الحديث وإن كان من الصعب أن نغفل ذلك اللبس والتداخل في المناهج واتجاهات النقد النسائي، لهذا يواجه هذا النقد الاتهام بأنه عقائدي أو أيديولوجي، وهو ما جعل الباحثة زينب العسال تري أن النقد النسائي واجه بالعداء وعدم الاعتراف من قبل المرأة نفسها قبل أن يرفض الكاتب الرجل، ولكن في مرحلة لاحقة ومع تبني جيل جديد من الناقدات كان لهن إطلالاتهن علي الثقافة الغربية مثل: هدي الصدة وسمية رمضان وشيرين أبوالنجا وسوسن ناجي وغيرهن، تأكد دور كبير في تبني النقد النسوي يتلاءم مع البيئة المصرية والعربية، أي أن القائمات علي النقد النسوي لم يتحيزن إلي المفهوم الغربي للنقد النسائي، فالنقد النسائي عندهن استراتيجية ثقافية تكشف عن البني المضمرة اللاواعية التي تحكم سردية المرأة وقراءتها للتاريخ والثقافة والآداب. وعلي الرغم من هذه الحقيقة فإن الباحثة زينب العسال لاحظت أن العديد من المبدعات والناقدات يرفضن فكرة وجود أدب نسائي أو نقد نسائي. تقسم زينب العسال النقد النسائي إلي عدة تقسيمات أولها: النقد النسائي البيولوجي ويهتم بالخبايا البيولوجية الخاصة بالمرأة، ومن ثم فهو يعلي من قدرها، فكل ما هو أنثوي وأمومي. ثانياً: النقد النسائي واللغوي وينطلق من أن هناك لغة خاصة بالرجال وأخري خاصة بالنساء. ثالثاً: النقد التحليلي النفسي وهو يعني بتحليل النفس الإنسانية وبخاصة لدي نرون ويونج وغيرهم. رابعاً: النقد النسائي الثقافي وهو نتاج مع النظريات البيولوجية واللغوية والتحليل النفسي، فهو يتيح الفرصة لتعدد التفسيرات بتعدد العلاقات والسياقات الاجتماعية وهو المنهج الأكثر انتشاراً بين ناقداتنا. وإذا قسمنا ما سبق علي النقد النسائي حالياً تجد الباحثة زينب العسال أنه ينتج عنه مساران: الأول التزمت به هدي الصدة وسمية رمضان وهالة كمال وأخريات بحثن عن كل ما هو تاريخي في محاولة منهن للتأسيس للحركة النسوية المصرية وانبعاث دور المرأة الذي أغمط طويلاً، أما المسار الآخر فقد التزمت به ألفت الروبي ونبيلة إبراهيم ولحقت بهما كل من شيرين أبوالنجا وسوسن ناجي وتميز هذا المسار باعتماده علي النقد الثقافي. تفتش الباحثة زينب العسال عن صورة المرأة في الإنتاج القصصي للرجل/ الأديب من خلال معالجات نقدية نسائية لكل من سهير القلماوي ولطيفة الزيات وفوزية العشماوي وإقبال بركة وفريدة النقاش وشيرين أبوالنجا، وإن كانت تعيب علي هذه الجهود النقدية النسوية، أنها اهتمت فقط بالرواد وجيل الستينيات ولم تتبع الأجيال اللاحقة ونالت روايات نجيب محفوظ نصيب الأسد من الاهتمام بصورة عامة والتوقف أمام صورة المرأة بشكل خاص. أما صورة الأم فهي من الصور المشرقة للمرأة، فقد احتفي أدباؤنا بالأم الحنون والمتفانية في خدمة زوجها وأبنائها وأسرتها، الأم هي المحور وهي الجذر وهي الصدر الحنون وما تتصف به شخصية الأم من سلبيات في بعض القصص والروايات، فهي استثناء لكي تظل السمات الإيجابية تتلازم مع أمنية أشهر أم في الأدب العربي والتي أجاد محفوظ تقديمها في الثلاثية. تقدم الباحثة نماذج من نقد المرأة/ الأديبة لإبداع الرجل/ الكاتب قائلة: تدين سهير القلماوي نظرة العقاد للمرأة، فالعقاد يعشق صورته، ذاته، فإذا عشقت المرأة هذه الذات فلابد أن تكون تلك المعشوقة خليقة بالعقاد. وتختار لطيفة الزيات الأدب القصصي التقليدي أو القص الذي يندرج في إطار الواقعية كي تخرج شخصيات نسائية من لحم ودم، فتري تطابق رأي الحكيم مع العقاد في أن المرأة مصدر الخطر الأول علي الرجل، فهي لا تملك إلا الجسد الذي يشع بالكهرباء والذي يلقي تيارات وموجات لا تلتقطها غير الغرائز بما أن المرأة كائن ضعيف يؤمر لدي العقاد. بينما تمثل ثلاثية شريف حتاتة (العين ذات الجفن المعدنية) صورة أخري للمرأة، حيث إن آليات استلاب المرأة تتنوع آدميتها وتجعلها مشتبكة مع الواقع والمجتمع، وتجد إحسان عبدالقدوس في بعض رواياته يستنطق المرأة بآراء هي في حقيقتها أوهام ورغبات الكاتب نفسه. تحول زواج المرأة إلي مشروع حياتها فلا وجود لها خارج إطار هذا المشروع، أما رواية »العيب« ليوسف إدريس فهو لا يدين المرأة قدر إدانته النظام الاجتماعي الذي تعيش فيه سناء بطلة الرواية. وتنفي فوزية العشماوي عن محفوظ تهمة تهميش المرأة، فالمرأة لها دور في التعبير عن أوضاع المجتمع في فترة معينة، بل إنها الرمز المعبر عن مرحلة بعينها، فشخصية »إحسان شحاتة« في »القاهرة الجديدة« تمثل رؤية محفوظ لفترة الثلاثينيات، و»نفيسة« في »بداية ونهاية« رمز الطبقة الوسطي في فترة بين الحربين، إنها تجسيد لمأزق هذه الطبقة ومعاناتها نتيجة إقصاء أفرادها عن الحياة السياسية وأثر ذلك اقتصادياً و»حميدة« في »زقاق المدق« تجسد الحياة اليومية في البيئة الشعبية. تحدد إقبال بركة صورة المرأة لدي الكاتب بما اشتهر به كل كاتب، فتنقل من عقدة الشك إلي عقدة الجنس عند إحسان عبدالقدوس، أما أغلب الأعمال الإبداعية لكل من »محمد عبدالحليم عبدالله« و»السحار« و»يوسف السباعي« لم يطرأ أي تغيير علي صورة المرأة التقليدية والمنحصرة في النظرة الرومانسية للمرأة. وتقدم فريدة النقاش من خلال قراءتها لقصة »قنديل أم هاشم« لـ »يحيي حقي« رؤية جديدة للعلاقة بين الشرق والغرب، نظرة الرجل الشرقي بعد رحلته إلي الغرب إلي المرأة الشرقية / المصرية عانت الشحوب إذا ما قورنت بعلاقته بالمرأة الغربية.
القاهرة: الآن

تعليقات

اكتب تعليقك