محمد المخزنجي: الاحتجاج علي القبح أحد أشكال السياسة

منوعات

243 مشاهدات 0


حمل الكاتب محمد المخزنجي شعلة القصة القصيرة من يد يوسف إدريس، فحصل كتابه الأخير «حيوانات أيامنا» ـ الصادر عن دار الشروق ـ علي المركز الرابع في مبيعات الدار، بعد «أولاد حارتنا» و«شيكاغو» و«تاكسي حواديت المشاوير» والقاريء لأعماله منذ «الآتي»، «رشق السكين»، «سفر»، «البستان» يعرف كيف حاول المخزنجي أن يقاوم القبح في هذا العالم، سواء ما تعلق منه بقضايا إنسانية عامة أو بقضايا ذات طابع سياسي. * لجأت في بداياتك الأدبية إلي المجاز والرمز، لكن ظهر نفس سياسي في «حيوانات أيامنا».. كيف حدث ذلك؟ هنا حوار مع المخزنجي حول عمله الجديد. - كلنا نتمني أن نحيا حياة وديعة بلا خشونة، لكن في لحظة معينة هناك مسؤولية أخلاقية، وأظن أن الكتابة في جوهرها عمل أخلاقي، فهي طلب لعالم بديل مفتقد مما ينطوي علي رفض أخلاقي للعالم كما هو عليه، ومن هنا لا يستطيع أديب في لحظتنا الراهنة أن يدير ظهره تماما لكل الكوارث التي تسببها السياسية والتي تحدث ليس فقط في حياة الناس بل وفي حياة الكائنات. أتذكر وأنا جالس الآن كيف كنت أراقب الجراد ولاحظت أنه بدأ يحوم في منطقة وسط القاهرة ولا يستطيع أن ينزل من كثرة التلوث، بالإضافة إلي أن لي رأياً في الجراد وهو أنه كائنات فطرية سوية، وما تفعله ليس عدواناً علي الإطلاق لكنها مرتبطة بدورات محددة، لكن المسألة ترجع إلي خيانة البشر. أي أننا لا نستطيع جماليا أن نتجاهل القبح الذي تولده الممارسات السياسية القبيحة، والكاتب المشتغل بالجمالي يتطلب احتجاجه علي القبح شكلاً من أشكال الاحتجاج علي السياسي، لكن المسألة هي بأي يشكل حتج علي السياسي، هل أن يرد من زاوية جمالية نعم عدت إلي السياسة لكن من خلال الأدب بدون زعيق أو مباشرة، لكن أن تثار القضية من خلال فلسفة السياسة. * ولماذا اعتبر البعض كتاب حيوانات أيامنا كتاباً سياسياً في الأدب؟ - بعد أن انتهيت من الكتاب اكتشتف كم أنا متأثر بموضوع التسلط ويمكن ملاحظة ذلك في كل قصة من قصص الكتاب. فعلي الرغم من جنوحي إلي السلم لأقصي درجة إلا اني خصم عنيف للتسلط، من تسلط الامبريالية الأمريكية، إلي تسلط المستبدين المحليين، إلي تسلط الإنسان علي البيئة وعلي الكائنات الأخري وتسلط الناس علي بعضهم البعض. لكن في قلب هذا العراك ضد التسلط هناك أغنيات لـ«البديل» مثل المجتمع المدني من حيث كونه قوة غير مسلحة بطبيعتها في مواجهة القوي المسلحة بأسلحة الاستبداد. فلا يمكن تصور أي منجزات في هذا الجو من ممارسة التسلط وتقبل التسلط. وغير ذلك أشعر بالمسؤولية كمواطن ورب أسرة، فأي عالم هذا ما سوف نسلمه لأبنائنا، فما نحن فيه يجعل إذا قلت رأيك بقفاز من حرير تكون معرضا للاضطهاد في أي لحظة يحددها الخصم المتسلط. لذا مجابهة التسلط تصبح نوعاً من الاعتذار لأبنائنا أننا حاولنا ما نستطيع لكننا مع الأسف نسلمكم عالما بهذا الشكل. * الجديد في «حيوانات أيامنا» أنه تحول من الرمز والقناع إلي الحديث عن المارينز وعن عبثية الأمن وبطشه.. لماذا اللجوء إلي الحيوان إذن؟ - أزعم ان معرفتي جيدة بالحيوانات وسلوكها عبر زيارات لمحميات وبراري في أفريقيا وآسيا وأوروبا وبعض الصحاري العربية، بالإضافة إلي شغفي بعلم الايثولوجي علم سلوك الحيوان. وشجعني هذا ألا ألجأ إلي أنسنة الحيوان وانطاقه بلغة البشر مثلما كان الحال عند لافونتين وأورويل وابن المقفع. لا أستطيع تفسير الدوافع لأن الإبداع به مناطق واعية وأخري لا واعية، لكني وددت أن أرصد خارجياً لغة الحيوان لأننا لا نستطيع الولوج داخل نفس الحيوان لمعرفة تصرفاته. فقد تناولته ليكون محوراً درامياً تدور حوله عملية التسلط البشري. فالكتاب يحفل بمجزرة تسحق فيها الكائنات الفطرية، ويعكس ذلك رغبتي في الصراخ في وجه كل هذه البشاعة التي يفرزها التسلط في حياتنا، ضد تسلط الطغاة والأهواء الفردية وتسلط الإرهاب أي ترويع الآمنين، هذا كتاب عن البشر وليس عن الحيوان لأني واقع في أزمة ثقة مع البشرية، ويصبح هنا الجزء التهكمي الذي يمكن استنطاقه تعالوا لنكن حيوانات حتي نستعيد إنسانيتنا. لأن سلوك الحيوان برئ لا يطلب أكثر من شروط استمرار الحياة، لكنه لا يذهب لرحلات قنص ليستمتع ويلتهم لحم بني جلدته علي عكس الحيوان الذي لا يأكل من نوعه أبداً. فهو لا يأكل لحم أخيه ميتاً. فالتسلط والقهر نوع من أكل لحم الإنسان بالمعني المجازي. ü اخترت وضع كلمة «كتاب قصصي» علي غلاف حيوانات أيامنا ومن قبلها كانت لحظات غرق جزيرة الحوت تتناول في صورة ريبورتاج شاهد عيان لكارثة تشرنوبيل. هل هي محاولة لتجاوز الشكل الأدبي المتعارف عليه؟ * اكتشفت مع تراكم الإنتاج أني لا أكتب مجموعات قصصية، فبدأت أشعر منذ وقت مبكر أن هناك سياقات ومسارات، أي زاوية أفكر فيها وأظل أنظر من خلالها في اتجاه محدد، قد تكون الحيوانات أو السجون، فهناك زوايا من حيث الموضوع وزوايا من حيث الشكل. أصبحت اليوم أجهز نفسي، منذ عشر سنوات قلت لأحد الأصدقاء أني أتمني لو أعمل كتاب أسميه حيوانات العالم، طموح كبير لا يتيحه العمر ولم يكن في ذهني ولم أكتب سوي قصتين، وظللت أكتب وأضع ما أكتب جانباً حتي كونت مساراً معيناً أصبح كتاباً فهي إذن مجموعة ليست مرتبطة بالتراكم الزمني، بل بالمسار أو الزاوية، لذلك عندي مسارات كثيرة لم تنشر ومشاريع عديدة. لكنني أشعر أن «الكتاب القصصي» ستصبح خصيصة تخص عملي لأني لا أظن أن هناك شكلاً أدبياً يتسنفد أغراضه أبداً. لكن ما يشغلني هو تمتع الكتاب بوحدة التوليف من حيث الموضوعات ومن حيث التقنية، بالإضافة إلي لعبة المتن والهوامش التي لعبتها في الكتاب أخذاً عن كتب التراث، فنجد كتاب حياة الحيوان الكبري وفي هامشه كتاب عجائب المخلوقات لكني عملتها بشكل مختلف مثل هامش المراجع، فنجدها أحياناً تمهد للقصة أو تحدث مفارقة معها أو لمجرد أن تعطي إضاءة خاطفة لمسار الدراما. * تعكس كتاباتك حلم الطبيب في تعشيق الأدبي بالعلمي المعرفي؟ أشعر أن قدري أن أكون حكاءاً، مثلما يقول ماركيز «عشت لأحكي»، وأظن أني اكتشف اليوم أني ربما ذهبت أدرس الطب «لدوافع إنسانية وأحلام رومانسية» لكي أخوض التجربة وأقوم بكل هذه الأنشطة المختلفة حتي يتسني لي أن أحكي وأجد مادة للحكي. واختياراتي في الطب كانت تدل علي هذا فعملت في الحجر الصحي في الإسكندرية كطبيب حميات وكنت في مستشفيات السل، حيث الموت حولي في كل مكان والكتاب الأول «الآتي» مكتوب في مصحة صدر دمياط، لابد أني كنت أبحث عن الدهشة في دهاليز الطب، ثم في قناة السويس حيث كنت أقفز من سفينة إلي أخري وعشت فترة بهذا الشكل وعندما ضقت بالطب النفسي ولم أكن أريد أن أكون أكاديمياً بل كنت فرحاً بالعمل في قسم بائس سواء في المنصورة أو في العباسية. وفي الصحافة الثقافية حين أخترت العمل كمحرر علمي أحببت جداً الوظيفة حيث كنا نقوم باستطلاعات في مجلة العربي دائماً، اختياراتي غريبة بالنسبة للناس، فاختار أبأس الأماكن في أفريقيا جنوب الصحراء، الهند الصينية، آسيا الجنوبية. فبقدر ما المدنية الحديثة قدمت للإنسان إمكانيات هائلة بقدر ما طمست أيضاً الروح فيه، زرت بلدة في لاوس اسمها لوانج برابنج واليونسكو تعتبرها أحدي محميات التراث العالمي لأنها مازالت تعيش في القرن الثامن عشر، بلد ليس به هاتف أو فاكس أو سيارة، وحين تتواجد دراجة يصبح حدثا يمر في الشارع، في أول يوم لم أكن أتصور كيف يكون العيش لكني تمنيت بعدها لو أعيش في المكان إلي الأبد فهي قرية علي قمة جبل علي ضفاف نهر الـ «ليكونج» وهناك تآلف بين نخيل جوز الهند والأشجار والفراخ التي تمشي في الشارع والكلاب والبشر والآلهة والمعبد ويشكل كل ذلك وحدة واحدة تتميز بالفقر الشديد لكن هناك سعادة وبهجة. فقد تم عمل استبيان لمعرفة من هم أسعد شعوب الأرض فطلع الهنود رغم البؤس، وحين ترينهم في القري الداخلية ليس علي بدن الواحد منهم سوي خرقة وعمامة وكسرة خبز في اليوم ولكنه مبتسم ومستريح. فأنا شغوف بهذا العالم القديم الذي مايزال مهملاً، علي فطرته الأولي حيث كل خطوة تشعرين بدهشة، وأنا أظن أن هذه الدهشة هي كما يقال أول الحكمة أو أم الحكمة وأم الفن إذا لم يندهش الفنان لن يستطيع أن يدهش، أنا واحد من الناس أندهش من موقف فتولد القصة، يكون هناك مشهد مدهش وأفكر فيه وأعدل منه وقد أركنه لسنوات حتي يصبح مشهدا.
القاهرة: الآن

تعليقات

اكتب تعليقك