النيل وخزانة الوعي الشعبي المصري..والتناقض بين الأسطورة والأديان
منوعاتأغسطس 26, 2007, 3:02 م 253 مشاهدات 0
في دراسته الشهيرة شخصية مصر أشار د. جمال حمدان إلي طبيعة النيل الفيضية
باعتبارها عنصرا مهما طبع الشخصية الاقليمية لمصر بطابع خاص أضفي علي شخصيتها طابع
الوسطية. وفي كتابه مجتمعنا وضع د. عبدالحميد يونس النيل في المرتبة الثانية من
المقومات المؤثرة في المجتمع المصري ووصفه بأنه الرمز الخالد والنهر العبقري الذي
لانظير له بين أنهار العالم في طوله وانتظام فيضانه واستقامة مجراه. ووصفه بأنه
في رحلته من الجنوب إلي الشمال بين صحراء تمتد عن يمين وشمال النهر منح المصريين
سمة النزوع الدائم للاتحاد بالأرض والأهل والجاذبية إلي الداخل نحو النهر..
مثالان من بين العديد من الأفكار والرؤي التي حفلت بها الثقافة المصرية المدونة
وعكست الدور الذي لعبه النيل في تشكيل الحضارة المصرية كمكون ثقافي وجسدت تلاحم
المصري بالنيل الذي تجلي في الأدب القديم والحديث, بل والممارسات اليومية ــ كما
رصدته دنيا الثقافة في العام الماضي ــ فبدي أشبه بتلاحم قدري. واليوم ومع بدء
الاحتفالات بعيد وفاء النيل نحاول عبر هذه السطور وتحقيق الزميل محمد هزاع أن نتتبع
أخبار وحكايات النيل في الوجدان الشعبي المصري وكيفية تفاعله مع معانيه ودلالات
أسمائه موحد الحق.. دائم الخيرات.. مانح الخصب للأرض و.. جالب الطعام..
نحاول أن نستكشف أبعاد ذلك الارتباط القدري بالنيل والتناقض بين الاحساس بالتقديس
والحماية الذي يرمز له حابي رمز المفيض وانثي فرس النهر أبت وبين الخوف من كائناته
المادية( التمساح) والغيبية( جنية الماء) والدور الذي لعبه المأثور الشعبي
في حل معضلة التناقض بين الأسطورة والمعتقدات الدينية وتحويل الأولي لصياغات
وممارسات شعبية لاتزال ماثلة أمام عيوننا.. وفي خزانة الوعي المصري سطور وحكايات
حفظت سر النيل وعبرت عما جاش في نفس الجماعة الشعبية.. فهو في عيونهم محور العالم
ومعه تتجه العيون صوب الجنوب حيث أصل الكون وبدايته, ومعه تتحول البلاد في ثلاثة
أشهر للؤلؤة بيضاء وتظهر أرضها كالكواكب والمياه حولها بيضاء وتصبح في ثلاثة أشهر
مسكة سوداء, حيث ينكشف الماء وتبدو الأرض ويكثر نباتها وحشيشها في ثلاثة أشهر
أخري, فتصير مصر كالزمردة وفي الأشهر الثلاثة التالية تصبح سبيكة حمراء ويستوي
الزرع كله. وفي دراسته القيمة( الثقافة المصرية بين الرسمية والشعبية) يخصص
الباحث محمد النيل بضع صفحات يرصد فيها تفاعل الجماعة الشعبية مع النيل, حيث
أطلقوا عليه[ ايترو ـ عا] أي النهر العظيم أو جعبي رمزا للإله والروح الكامنة
خلف النهر والتي تدفع خصبه ومياهه في كل عام في شهر بعينه, فيقيمون الاحتفالات
ويغني له الناس هو الذي يذهب في وقته ويأتي في وقته.. إنه الذي يهب الأكل
والمؤن.. إنه الفرحة والمحبوب... وحول استمرار طقس الاحتفال بوفاء النيل علي مر
القرون يقول د. سميح شعلان استاذ الفولكلور وعميد معهد الفنون الشعبية إن للجماعة
الشعبية حكمتها وفلسفتها وبالتالي فهي تحتفظ بالعادات والممارسات التي لاتزال تؤدي
وظيفة وتسهل التعايش مع الكون والظرف الحياتي. من هنا ظل الارتباط بالنيل
والاحتفاظ بموسم فيضه عادة مترسبة في اللا وعي الجمعي وإن تم تحويرها كي لا تتعارض
مع الأديان السماوية سواء في المسيحية أو الاسلام. فعرفت مصر عيد النقطة في26
بؤونة واعتقد المصريون أن العجين الذي يوضع علي ضفاف النيل في تلك الليلة يتم
تخميره دون الحاجة لخميرة بفضل نقطة الملاك ميخائيل, والرمز هنا واضح, حيث يتم
الربط بين الخبز ومفهوم الرزق واستمرار الحياة مع جريان النيل.. من جانب آخر فقد
مثل النيل في الوجدان الشعبي فكرة العبور والانتقال لحياة جديدة وهذا يتجلي في
ممارسة الغطس في النيل في شم النسيم مع وضع بصلة فوق الرأس, والبصلة تمثل القدرة
علي درء الأرواح الشريرة, ثم تركها لتمضي مع التيار بعيدا عن الشخص كدلالة علي
التخلص من الأرواح الشريرة وتجدد الحياة. ويستطرد د. شعلان قائلا: نفس الفكرة
نجد تنويعاتها في طقوس السبوع والزواج في النوبة أو عادة إلقاء خلاص المواليد في
المجاري المائية في الريف وكلها تعني حالة الانفصال عن الحياة الأولي أو الماضي
واستمرارية الحياة. وحول التناقض بين مشاعر الحب والتقديس والخوف من النيل الذي
يتجلي في الموروث الشعبي يقول د. شعلان الثقافة الشعبية تعمل علي تلقين قيم
المجتمع وتجنب السلوكيات الضارة, وهذا يتجلي في حكايات جنيات الترع التي تؤدي
وظيفة التحذير من الغرق والتعامل بحذر مع المجري المائي وعدم انتهاك حرمته لضمان
خيره واتقاء شره.
وحول الحلول التوفيقية التي قدمتها الجماعة الشعبية وحفظت استمرارية الطقس الشعبي
والاحتفال بوفاء النيل يقول الباحث الأثري عبدالرحيم ريحان مدير منطقة آثار دهب إن
النيل في رحلته عبر التاريخ ارتبط بكل الأديان, فقد ارتبط بتفسير حلم ملك مصر عن
السبع بقرات السمان والسبع العجاف والسبع سنبلات الخضر والأخري اليابسات والتي
فسرها يوسف الصديق بسنين عجاف يمتنع عنها الفيضان. من جانب آخر فقد ارتبط النيل
باسم نبي الله موسي وقصة نجاته وهو في المهد, وكلمة موسي مكونة من مقطعين,
الأول( مو) وتعني ماء و(أوسي) وتعني وليد في صحة جيدة. وهكذا ارتبط النيل
بكونه حضن الأمان الذي أنقذ موسي من فرعون. كذلك فقد كان النيل عنصرا مهما في
رحلة العائلة المقدسة التي دخلت مدينة بيلو زيوم ثم سارت علي فرع النيل الشرقي إلي
سمنود ثم البرلس وعبروا الفرع الغربي متجهين إلي سخا ثم جنوبا نحو الفسطاط والبقعة
المقامة عليها كنيسة العذراء في المعادي والتي شهدت انطلاق العائلة المقدسة صوب
الجنوب, حيث استقروا في منطقة دير المحرق في أسيوط.. ولقد ظل للنيل احترامه بعد
دخول الاسلام, حيث ربط عمر بن العاص مدينة الفسطاط بالسويس بحفر خليج أمير
المؤمنين وألقي بكتاب عمر بن الخطاب إلي النيل, وأصبح الناس يوم عيد الصليب
يحتفلوا بوفاء النيل الذي بلغ16 ذراعا واستمر احتفال قبط مصر بعيد الصليب في
يوم17 من شهر توت في كل عام.. وأخيرا فقد كان هذا بعضا من كل.. من حقائق
وحكايات وأساطير شكلت في مجموعها متوالية متعانقة متشابكة, سعيا لاكتشاف الوشائج
التي تربطها وبحثا عن الشاهد الأصدق علي استمرارية الثقافة المصرية بجناحيها الرسمي
والشعبي ــ بمعناها الحقيقي..
القاهرة: الآن

تعليقات