العمائم العربية لها تاريخ

منوعات

536 مشاهدات 0


تقول الموسوعات: إن العمامة كانت مرتبطة عند العرب بالشرف والرياسة والسيادة. فالمعمم في قومه وقبيلته شريف وسيد ورئيس. وحين يجعل المتوج لعمامته عذبة.. مرخاة يكون ذلك دليلاً علي أنه أصبح مترفاً في حياته. وحين يلقي عمامته غاضباً علي الأرض فذلك يعني أنه يطلب الثأر أو الإنصاف أو الانتقام. فالاعتداء علي عمامة العربي يعني تحقير صاحبها وإهانته. وكان زعيم أي قبيلة عربي بخلع عمامته عن رأسه عندما ينشب القتال، ويتخذ منها راية شخصية له، يموت دون سقوطها، أو يقهر خصمه فيعود إلي وضعها منتصرة فوق رأسه ملفوفة، محبوكة. وكان العرب إذا رفعوا من شأن رجل عمموه بعمامة حمراء تمييزاً له عن غيره من سواد الناس. ولفافة العمامة العربية كانت عريضة من نسيج ثمين مثل الصوف أو الكتان أو الحرير أو القطن. وكان طولها يختلف، ولونها يختلف، وأسلوب وضعها علي الرؤوس يختلف. وكانت العمامة تشد أو تلف حول الرأس. وكان طولها يستهدف أساساً حماية الرأس من وهج الشمس في الصحراء المكشوفة للسماء. وكان من عادة المعممين أن يشدوا اللفافة فوق قلنسوة أو طاقية أو يلفونها علي الرأس مباشرة. وتكشف كتب التواريخ الإسلامية والأشعار والروايات الجاهلية أن العمامة كانت تشمل الرأس كله، حتي إن الرسول صلي الله عليه وسلم كان يرفع عمامته عن جبهته حين يسجد في الصلاة. وكانت عمامته هذه تسمي: السحاب وتروي رواية أخري أن الرسول كان يعتم ويرخي طرف عمامته الخلفي بين كتفيه، وهو الطرف الذي نعرفه الآن باسم عذبة العمامة، ولاتزال بعض الطوائف الإسلامية ترخي إلي اليوم عذبات عمائمها فتنسدل علي العنق والكتف معا. وقد يلف شال العمامة علي الرأس والوجه دون العينين والعنق بل والكتفين من قبيل التنكر والتخفي، كما فعل الحجاج الثقفي حين ولي أمر العراق. وكانت عمامته حريرية حمراء. ولاتزال هذه الطريقة في التعمم شائعة بين قبائل الطورق في الصحراء العربية الكبري. ويصل طول لفافة عمامة الطارقي عدة أمتار، لأنها تغطي مع رأسه وجهه دون عينيه وعنقه وكتفيه. والتعمم له فنون. من هذه الفنون لفة التحنيك، كما كان رجال حاشية الخليفة الفاطمي يفعلون، حين يخرجون مع الخليفة، ويحيطون به مشاة كانوا أو علي ظهور خيولهم، وكانوا معروفين بين الناس بالأساتذة المحنكين، ومن ورائهم ومن حولهم كان الوزراء ورجال الحرس. وللعمائم العربية والإسلامية ألوان بحسب لون النسيج في البداية، ثم صارت تصبغ بصبغات مختلفة، تميز بين أصحابها ومكانتهم. وتحكي كتب التواريخ العربية أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعتم بعمائم مختلفة ملونة حسب المناسبات. من هذه الألوان كان اللون الأبيض مع الثياب البيضاء، واللون الأحمر مع البرد الأحمر، واللون الأصفر مع الثياب الصفراء المصبوغة بالزعفران: القميص والرداء والعمامة، في أيام العيدين خاصة. وفي الحروب كانت راية الرسول سوداء وتعرف بالعقاب، ومثلها كانت عمامته بلون أسود. وبها دخل مكة يوم فتح مكة. وتروي رواية أخري أن الرسول طاف بالبيت وهو متشح بإزار أخضر. وفي العصر العباسي كان لباس الخليفة العباسي ومن حوله هو السواد في العمائم والثياب. وحتي الرايات في المواكب والحروب كانت سوداء، تشبهاً بالرسول لتوكيد صلتهم بالبيت النبوي من باب الدعاية السياسية وكان لبس أحد للسواد وتعممه بالسواد يعني ولاءه المطلق للعباسيين، كما يعني تغييره لهذا اللون عداءه للعباسيين كأن يلبس الثياب البيضاء مثلاً، كما كان يفعل الفاطميون. والخليفة الفاطمي كان يتعمم بعمامة من الحرير الأبيض الرقيق، علي حين نزعت جماعات أخري إلي البيت النبوي بإيثار اللون الأخضر في ثيابهم وعمائمهم تمييزاً لهم عن غيره. وحين شاع استخدام الطربوش الأحمر في فترة الاحتلال العثماني جمع رجال الدين، في الشام خاصة، بينه وبين الشال الأبيض حول الطربوش بأنواعه. وتبقي العمامة الأزهرية منفردة بطرازها ذي الأركان الأربعة، حمراء، أو تميل إلي اللون البني، وبزرها الأخضر أو الأزرق مختلف الدرجات. بقيت هذه العمامة تعلو رؤوس رجال الدين في مصر. منذ عهد المملوك سلطان مصر الظاهر برقوق، فقد كان هو أو ابنه فرج من بعده هاوياً مع السلطنة لتصميم الأزياء، فراح يصمم أزياء خاصة بكل طائفة من طوائف الحرفيين والقضاة والمتصوفة والعلماء والجند والكتاب والشعراء والطبالين في مصر، وتنتجها للكل دار الطراز الفاطمية التابعة لدار الخلافة. وبين تصميماته كانت العمامة الأزهرية الحمراء بزرها الأزرق، وشالها الحريري الأبيض، وكانت الكاكولة البرقوقية الأزهرية الشهيرة تنافس الجبة والقفطان إلي عهد قريب، وكان الاثنان يخلعان علي الأزهري عند إجازته فيما درسه من العلوم ومعه شيخه، في العصر المملوكي الثاني. ثم سادت البدلة بين طلاب الأزهر وشيوخه، وتحررت رؤوس شيوخ وطلاب الأزهر منذ خمسينيات القرن الماضي خاصة بعد إنشاد جامعة الأزهر الحديثة مع مطلع الستينيات. وفي الأزهر كانت لي ولجيلي مع العمامة والكاكولة في سنوات الأربعينيات قصة من الصراع والمطاردات، وصارت كلها الآن جزءاً من تاريخ شعبي غير مكتوب، أخشي عليه من الضياع فإلي لقاء. المصدر :جريدة البديل
القاهرة: الآن

تعليقات

اكتب تعليقك