الذكرى الأولى لرحيل نجيب محفوظ تعيد احتفاء المثقفين العرب بأدبه العظيم
منوعاتسبتمبر 1, 2007, 10:29 ص 133 مشاهدات 0
القاهرة -أ ش أ- وسط اهتمام إعلامي وثقافي كبير تحل الذكرى الأولى لرحيل الأديب
الكبير نجيب محفوظ، الذي ينظر إلي أدبه باعتباره أحد المفاتيح المهمة لفهم التاريخ
الاجتماعي لمصر طوال القرن العشرين، علاوة على ما انطوى عليه أدبه الغزير من قيم
ومعاني إنسانية عامة، أهلته للحصول على جائزة نوبل عام 1988، وجعلت ذكرى رحيله
تتحول إلى تظاهرة ثقافية عربية جديدة، في مطلعها اعتباره شخصية العام لمعرض
الإسكندرية الدولي للكتاب، المنتظم حاليا.
وقد أراد محفوظ، الذي عاش خمسة وتسعين عاما، أن يعيد كتابة تاريخ مصر برمته في شكل
أدبي، وأثمرت هذه الفكرة عن روايات ثلاث هي 'عبث الأقدار' 1939 و'رادوبيس' 1943
و'كفاح طيبة'1944، لكنه لم يلبث أن تخلى عن هذه الفكرة، منحازا إلى الكتابة عما
عايشه، وسمعه ورآه وتفاعل معه بذهنه ووجدانه.
وبدأ محفوظ هذا التحول، الذي يعد علامة فارقة في مشروعه الأدبي، برواية 'القاهرة
الجديدة' أو 'القاهرة 30'.
وبعد هذا العمل المهم، راحت رواياته وقصصه تتتابع، خارجة من حشايا المجتمع المصري،
راصدة طريقة حياته وتحولاته، وأشواق الناس الدائمة إلى العدل والحرية.
وقد ولد محفوظ بحي الجمالية في القاهرة أثناء لحظة فاصلة من تاريخ مصر الحديث، كان
فيها الاحتجاج ضد الاحتلال الإنجليزي ينمو في حنايا الجماعة الوطنية، والثورة تترتب
على عجل، بعد أن أخفق جيش عرابي في صد الغزاة، ، ورحل الزعيم الوطني الكبير مصطفى
كامل عن الدنيا قبل أن يصبو إلى غايته في تحرير البلاد، ونفي خليفته محمد فريد إلى
باريس ليموت على سطح أحد منازلها قبيل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها.
وكان محفوظ في الثامنة من عمره حين هب المصريون في ثورة شعبية عارمة سنة 1919،
زلزلت الأرض من تحت أقدام المحتلين، ودفعت بسعد زغلول ورفاقه إلى قيادة الحركة
الوطنية، وتشكيل الحكومة رغم أنف الإنجليز والملك.
ورأى أديبنا الكبير، بعيني طفل واع ذي ذاكرة حديدية، المظاهرات والمصادمات الدامية،
التي شارك فيها الناس بمختلف أعمارهم وانتماءاتهم.
وأثرت كل هذه المشاهد في محفوظ تأثيرا كبيرا، فنسج تفاصيلها الدقيقة كاملة في
ثلاثيته الرائعة 'بين القصرين' و'قصر الشوق' و'السكرية' التي بدأ كتابتها قبل
ثورة يوليو 1952، لكنه لم ينشرها تباعا إلا في عامي 1956 و1957.
ثم ظهرت تجليات ثورة 19 في كثير من أعمال محفوظ اللاحقة، سواء في شكل خواطر مكثفة
تدور حول هذا الحدث الكبير، تحملها مشاهد قصصية، تصور رؤية الناس للحدث وتأثيره
فيهم، مثل ما ظهر في 'حكايات حارتنا' أو في صيغة جزء من السياق العام للرواية
الذي يسافر في زمن طويل، يبدأ من ثورة 19 وينتهي عند فترة حكم الرئيس أنور السادات
مثل ما جاء في روايتي 'قشتمر' و'الباقي من الزمن ساعة'.
وعبر كل هذا الزمن الطويل عرض محفوظ آلاف البشر ما بين أبطال لأعماله وشخصيات
ثانوية من مختلف الانتماءات والولاءات والخلفيات الطبقية والمكانية ودرجة التعليم
والتصور عن المجتمع والعالم والكون.
وكان هؤلاء حصيلة مشاهدات أديبنا الكبير وأفكاره، والتي حوتها ذاكرته الحادة، التي
أسعفته أن يستعيد الوقائع التي سمع عنها ورآها في الطفولة والصبا، بعد مرور عقود من
الزمن، ويعيد إنتاجها في سرد بديع، يزاوج بين ثراء المضمون الاجتماعي وعمق الموقف
والرؤية وبين جمال اللغة ومتانتها.
وقد عرفت هذه الميزة عن محفوظ، ففاض كثيرون بمدح ذاكرته، التي استطاعت أن تحتفظ
بملايين الصور والحوارات والتعليقات، التي عايشها في انخراطه العارم في تيارات
الحياة المتلاطمة، حيث تنقل بين أماكن عدة، وخالط أصحاب حرف ومهن مختلفة، وزامل
وصادق أشتاتا من البشر، وتماثل مع الناس في كثير من سلوكياتهم، وكان يتعمد دوما أن
يمعن النظر في كل ما يدور حوله، ليستخلص فكرة، ويستلهم حكاية، ويتدبر حكمة، ويحفظ
معاني ومصطلحات، ويدرك إيماءات وإيحاءات، ويتكهن بما يدور في طوايا البعض ونواياهم.
ورسم محفوظ ملامح أحياء مصر التي عاش فيها، بدءا بحي الجمالية في الحسين الذي ولد
فيه، إلي حي العباسية، الذي انتقل إليه مع أسرته في شبابه، وانتهاء بحي العجوزة
الذي انتقل إليه فيما بعد...وبين هذه الأماكن الرئيسة، عرض محفوظ العشرات من
الأماكن الفرعية أو الثانوية التي مر بها، في القاهرة حيث أحيائها القديمة
والجديدة.
وفي الإسكندرية، التي كان ينتقل للعيش فيها خلال فترة الصيف، والتي مثلت المكان
المركزي في روايتيه ''السمان والخريف' 1962 و'ميرامار' 1967، وظهرت بصورة أقل
في رواية 'الطريق'1964، وقصة 'دنيا الله' 1962. وإلى جانب الواقعية الاجتماعية
شيد محفوظ عالما كاملا في بعض أعماله مثل 'قلب الليل' 1975، و'ملحمة الحرافيش'
1977، و'رحلة ابن فطومة' 1983، فإنه استفاد مما حوته ذاكرته عن معالم الأمكنة.
وعن ملامح الأفكار الفلسفية التي درسها بكلية الآداب جامعة القاهرة، في إبداع هذه
العالم وصناعة تفاصيله، بما يجعل القارئ يعتقد أن ما تحويه هذه الروايات قد وقع على
الأرض بحذافيره، وأن كل ما فعله محفوظ هو أنه قد نقل ما جرى، أو أعاد إنتاجه في
قالب قصصي.
وهناك اعتقاد سائد في أن محفوظ قد صب جل اهتمامه على الطبقة الوسطى، التي انتمى
إليها، ونسج على ضفافها أغلب أعماله الإبداعية الرائعة، من قصص وروايات، واقعية
ورومانسية.
لكن من يمعن النظر فيما كتبه محفوظ يكتشف أن الرجل أعطى الطبقة الدنيا وزنا كبيرا
من انشغاله، ومن سطور أعماله، ليس فقط في عالم 'الحرافيش' الذين يعانون من سطوة
الفتوات وتجبرهم، أو عالم الفقر المدقع الذي تصوره رواية 'بداية ونهاية'، بل أيضا
بالنسبة للمهمشين، الذين يقطنون على أطراف المدن، في أحياء عشوائية، تعج بالفوضى
والبؤس.
وهناك رواية رسم فيها محفوظ ملامح الأحياء العشوائية، التي باتت تشغل بال العديد من
الأدباء مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وهي رواية 'قلب الليل'، ثم زاد عليها بما
ورد في إحدى قصص مجموعته 'القرار الأخير'، التي نشرها عقب حصوله على جائرة نوبل
في الآداب عام 1988.
وإذا كان النقاد قد أغراهم النظر في وجوه الحرافيش الضائعين والفتوات المتغطرسين
باعتبارهم العلامة المميزة لأدب محفوظ فإن هناك طائفة أخري تطل بقوة بين الأمواج
المتلاطمة من البشر في الحارة المصرية وفي جنبات المجتمع الرحيبة كان لها وقع في
نفس محفوظ ومن ثم في أدبه ألا وهي المتصوفة.
فقد فتح محفوظ عينيه على راياتهم وبيارقهم التي ترفرف على هامات البيوت في حي
الحسين بالقاهرة مسقط رأسه، وكانت أناشيدهم التي يصدحون بها في وضح النهار وفي
الهزيع الأخير من الليل من أولي الأصوات التي تناهت إلي سمعه وهو يحبو داخل المنزل.
لا شك أنه تساءل في طفولته عن هؤلاء الذين يملأون الدنيا ضجيجا بطبولهم، ولا شك
أيضا أن الإجابة لم تكن كافية لتشبع عقله المتوثب النهم فراح يجيل البصر هنا وهناك
ويقدح الذهن بحثا عن حقيقة هؤلاء الدراويش.
ويبدو أن محفوظ قد شرب من الظاهرة الصوفية حتى الثمالة فأعماله التي تناول فيها هذا
الصنف من الناس تدل إلي حد كبير على أنه هضم الكثير عن المريدين وشيوخهم ، وعرف
الفرق بين الأولياء والأدعياء، وبين الباحثين عن رياضة روحية تشفي أنفسهم العليلة
وتقربهم من الحق والحقيقة زلفى وبين القابضين على مصالحهم الدنيوية المتسترين
بعباءة التصوف لتحقيق مآرب عاجلة لا تخرج بأي حال من الأحوال عن ثروة تتراكم من
جيوب الغلابة أو جاه يقوى بكثرة الأتباع.
وكان نجيب محفوظ أشد حرصا على القراءة التي أوصى بأن تكون 'بلا حدود وفي أي
اتجاه'، فتابع في سنواته الأخيرة بعض الكتابات الأدبية الجديدة، وظل يحرص على
الإلمام بما ينتجه بعض الكتاب الصحفيين المفضلين لديه، وكان سكرتيره يقرأ له ما
يريد، حتى اليوم الذي دخل فيه المستشفي للمرة الأخيرة.
أما الانضباط مع المرض فلم يقل عن نظيره مع العمل، فمحفوظ طبق نصيحة طبيبه بدقة،
فصاحب مرض السكر، حتى روضه وطوعه تماما، وبلغ في احترام مرضه درجة أغاظت طبيبه نفسه
فقال له يوما: 'إنني دائما أنصح مرضاي بأن يلتزموا بتعليماتي، أما معك فلأول مرة
أجدني أرغب في أن أنصح مريضا بأن يخالفني'.
وقد رفض محفوظ أن يكتب سيرته الذاتية، وكان يقول دوما أنها موزعة بنسب متفاوتة على
أعماله، مواقف وحالات ورؤى ومشاهدات وأشواق وظنون.
وكان يسوق دوما مبررات قوية جعلته يحجم عن هذا الفعل، الذي آتاه أدباء ومفكرون
وعلماء كثر، في مطلعها إيثار السلامة، وهي سمة معروفة عنه، وصفة ملتصقة بذاته.
لكن محفوظ غض الطرف عن قيام آخرين بكتابة جوانب من سيرته ومسيرته الشخصية، متناثرة
أو مجتمعة، استقوها من نصوص أعماله، أو من تصريحاته وأحاديثه الصحفية، أو خلال
جلساته المنتظمة، في الندوات الأدبية التي كان ينظمها ويقودها على بعض مقاهي
القاهرة، أو لقاءاته مع أصدقائه ومريديه، التي صاحبته حتى مشارف الموت.
يشار إلى أن نجيب محفوظ قد ألف خمسين عملا أدبيا ما بين رواية ومجموعة قصصية، إلى
جانب ترجمة كتاب بعنوان 'مصر القديمة' عام 1932، وتأليف كتاب حواري بعنوان 'أمام
العرش: حوار بين الحكام'، علاوة على كتابي 'أصداء السيرة الذاتية' و'أحلام فترة
النقاهة' اللذين ختما بهما مسيرته الأدبية الطويلة.
القاهرة: الآن

تعليقات