من أين وإلى أين يا يونان؟ بقلم منصور ناصر الشثري
الاقتصاد الآنيناير 4, 2012, 3:01 ص 815 مشاهدات 0
كلمة دراما بالأساس كلمة يونانية ومصدر هذه الكلمة ليس بمستغرب لما نرى من مشاكل ومعضلات اقتصادية تواجه الحكومة اليونانية وأيضاً الاضطراب الذي تسببه للاتحاد الأوروبي. كثرت التساؤلات وكثر الغموض منها كيف وضعت اليونان نفسها في هذا الموقف؟ ولماذا تتسابق الدول الأوروبية لإنقاذها؟ وماذا سيحدث إذا تخلفت اليونان عن سداد ديونها؟ ولماذا تتأثر الأسواق العالمية باقتصاد دولة تصغر ولاية كاليفورنيا الأمريكية؟ في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات قررت أن أبدأ من البداية عام 1999 عندما استحدث عملة اليورو حينها كانت العملة متبناة من قبل 11 دولة، ولكن مع مرور الوقت ازداد عدد الدول المستخدمة لليورو كعملة رئيسة إلى 17 دولة من ضمنها اليونان في 2001. وهذا الاتحاد يشكل أكثر من 10 في المائة من الناتج العالمي لذلك يعطي انطباع القوة من الناحية الاقتصادية. ولكننا لاحظنا في السنوات الأخيرة اليونان ترفع يدها للاتحاد وتطلب دعم بعشرات المليارات، لتتمكن من سداد ديونها ودفع التزاماتها، حينها تتعرض الحكومة اليونانية إلى الانتقاد وربما القليل من التوبيخ، ولكن في نهاية المطاف 'ينال مهنا ما تمنى'.
قبل أن تنضم اليونان إلى اتحاد منطقة اليورو كانت تقترض بفائدة مرتفعة نسبياً، ولكن بعد الانضمام مباشرةً:
- تحسن تصنيفها الائتماني وانخفضت تكلفة الاقتراض.
- في بداية عقد الـ 2000 إلى عام 2008 كان الاقتصاد العالمي مستقراً، وينمو بشكل جيد.
ونتيجةً لهذين العاملين ازدادت ثقة مسؤولي اليونان باقتصادهم وقاموا برفع أجور العمال ومعاشات التقاعد، ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، طلت الأزمة العالمية بوجهها المظلم على اليونان وشلت سلاحيْها الرئيسيين السياحة والشحن، فأصبحت اليونان تواجه أقدم مشكلة اقتصادية وهي أن المصروفات والالتزامات أكثر من الإيرادات.
على مر التاريخ الكثير من الدول مرت بمشكلة اليونان نفسها ولكنها قللت من هذه المشاكل باستخدام التيسير الكمي أو خفض الفائدة المدفوعة على العملة، فبالنسبة للتيسير الكمي يقوم البنك المركزي للدولة بطبع النقود وشراء سندات الحكومة لخفض الفائدة، وبالتالي تقليل تكلفة الاقتراض على الحكومة. فهذه الدول التي استخدمت التيسير الكمي لم تكن تابعةً لأي اتحاد نقدي، فيتخذ بنكها المركزي قراراته بكل حريةٍ واستقلاليةٍ من الدول الأخرى. ولكن وضع منطقة اليورو مختلف، فاليونان ليس لها الحق أن تطبع اليورو، وبالأصح لا يحق لأي من 17 دولة داخل منطقة اليورو أن تطبعه، لماذا؟ لوجود تضارب في المصالح، وهو أن من عواقب التيسير الكمي أن العملة تضعف والتضخم يزداد. صحيح أن اليونان تحتاج أن تطبق التيسير الكمي لخفض تكلفة الديون، ولكن فرنسا وألمانيا لا تريد التضخم في منطقة اليورو.
من ضمن مسؤوليات محافظ البنك المركزي الأوروبي التحكم في الفائدة المدفوعة على اليورو. وبحكم أن التيسير الكمي خيار غير مطروح على الطاولة بقي له أن يدرس وضع الفائدة المدفوعة على اليورو، كأني أراه واضعاً يده على خده متأملاً في الأفق يسأل نفسه، هل أرفع الفائدة لينخفض التضخم في أوروبا؟ أو أخفض الفائدة ليقل الضغط على اليونان؟ وبعد هذا التأمل تم رفع الفائدة مرتين بداية هذا العام لقمع التضخم، وخُفضت الفائدة في نهاية هذا العام لتوقعات أن التضخم سينخفض في 2012. إضافةً لكون معدلات التضخم متباعدة لكل دولة في منطقة اليورو، معدل نمو الاقتصاد في كل دولة أيضاً متباعد ففي 2010 ألمانيا نمت بنسبة 3.7 في المائة على خلاف اليونان التي تقلصت بنسبة 3.5 في المائة.عادةً البنوك المركزية يحكمها وضع الاقتصاد بخلاف البنك المركزي الأوروبي الذي تحكمه كلا السياسة والاقتصاد لكونه مسؤولا عن عدة دول.
بحكم أن دور البنك المركزي الأوروبي محدود في مساعدة اليونان قامت الحكومات الأوروبية بإنشاء صندوق بقيمة تفوق 400 مليار يورو سمي European financial stability facility هذا الصندوق يُقرض الدول الأوروبية التي تواجه مشكلات اقتصادية في محاولة لردع التخلف عن سداد ديونها. بما أن البنوك الفرنسية والألمانية لديها انكشاف كبير للسندات اليونانية في حال تخلف اليونان عن سداد الدين ستخسر هذه البنوك مليارات مما يشكل تهديدا لبعضها بالإفلاس وينتج سيناريو مماثل لما حدث في أمريكا عام 2008 وأزمة عالمية أخرى وانهيار آخر للأسواق، فهذا الصندوق نشأ ليس لإنقاذ الدول المتعثرة فقط، بل أيضاً حماية البنوك التي استثمرت في سندات هذه الدول المتعثرة.
الكثير من الاقتصاديين قالوا إن منح اليونان ديونا لتسديد الديون تعطيل للمحتوم، وإن الحل الأمثل أن تخرج اليونان من الاتحاد الأوروبي، وتستحدث عملة خاصة بها، لكي تواجه مشاكلها من دون قيود وتطبق التيسير الكمي مثلاً 'فأهل مكة أدرى بشعابها'، أما بالنسبة للبنوك التي لديها انكشاف لليونان تدعم من حكوماتها مباشرةً أي بمعنى أن البنوك الفرنسية تُدعم من الحكومة الفرنسية والألمانية من الحكومة الألمانية. وربما الصندوق الذي أُنشئ لينقذ قد يزيد الخطر، فما الرادع للدول الأوروبية الأخرى عن ارتكاب أخطاء اليونان نفسها فهي تقول لا مشكلة هنا صندوق ضخم بإمكاننا الاقتراض منه في أي وقت! والسؤال هو إذا كان لدينا مسبح أولومبي به ثقب صغير ينتج عنه انخفاض منسوب المياه لحل المشكلة هل نزيد منسوب المياه؟ أم نسد الثقب؟ العجيب في الأمر اتحاد منطقة اليورو، حينما نشأ كان هدفه تقريب اقتصاد الدول الأوروبية من بعضها ولكن مع مرور الوقت لم يزدها إلا تباعداً.

تعليقات