هل حان الوقت لشطب أمريكا وتجاهل دورها؟ بقلم إيان بريمر
الاقتصاد الآنيناير 4, 2012, 4:38 م 882 مشاهدات 0
تتناهى إلى سامعيَّ عبارة متكررة من الصين هذه الأيام: قوة أمريكا لا تأتي من القيم الديمقراطية ومن قيم حرية السوق التي تؤمن بها، بل تأتي فقط من حجم اقتصادها ومن قوة جنودها وأسلحتها. ويصر المسؤولون الصينيون على أنه لا يوجد أي شيء كوني فيما يتعلق بمُثل أمريكا الديمقراطية والاقتصادية. فالديمقراطية مفهوم نسبي ولدى الأسواق عادة عمرها قرون تتمثل في الخروج عن زمام السيطرة. وتظل الولايات المتحدة قوة عظمى فقط، لأن اقتصادها ما زال في القمة. ويحذرون من أن هذه الميزة ستزول قريباً.
ليس من المفاجئ أن يحب كثير من الصينيين هذه المحاججة. فهي تداعب نظامهم ونجاحهم الحالي. فليست هناك حاجة لتعددية حقيقية، أو لتخصيص واسع النطاق للشركات المملوكة للدولة. وعما قريب سيتفوق اقتصاد الصين على اقتصاد أمريكا، هكذا يقول الاقتصاديون على جانبي المحيط الهادئ. إذن، هل تعتبر أمريكا استثنائية لأنها قوية، أم أنها قوية لأن قيمها استثنائية؟ هذا سؤال يجب على الرئيس المقبل أن يجيب عليه.
إنها لحكمة مقبولة أن أمريكا في تراجع، لكن ماذا عن نقاط قوتها؟ إن اقتصادها ليس ببساطة الأضخم في العالم، بل ضعفا حجم اقتصاد الصين التي يحتل اقتصادها المرتبة الثانية، ودخل الفرد فيها أعلى من دخل الفرد في الصين، والهند، وروسيا والبرازيل مجتمعة. ورغم كل القلق بشأن تصنيف الولايات المتحدة الائتماني وظهور بدائل عن الدولار، فإن التذبذب العالمي عزز فقط هيمنته باعتباره العملة الاحتياطية. وجيش أمريكا ليس الأقدر ببساطة، بل هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تبرز القوة في كل منطقة. لقد أنفقت واشنطن على الدفاع في عام 2010 أكثر مما أنفقته الدول الـ 17 التي جاءت بعدها على هذا الصعيد مجتمعة، وحتى التخفيضات الكبيرة المتوقعة في هذا الصدد لن تقلص تلك الميزة كثيراً.
بالطبع، الولايات المتحدة تواجه تحديات هائلة. المديونية الاتحادية التي تزداد تضخماً، والبطالة العالية، وانخفاض الأجور الحقيقية عوامل تؤثر على احترامها لذاتها. والآن مطالبة الجمهوريين بحكومة أصغر جعلت الإنفاق التحفيزي الجديد مستحيلاً. وعلى الصعيد الخارجي يتعين على أمريكا أن تفعل أكثر بإمكانيات أقل. ولدى الدول النامية الآن قوة أكبر تستطيع بواسطتها أن تعيق خطط الولايات المتحدة وتعرقلها.
ومع ذلك، الاستثمار في المستقبل يمضي على قدم وساق. فلا يوجد أي بلد فيه عدد أكبر من صفوة الجامعات وكليات الدراسات العليا، ولا عدد أكبر من الشركات الرئيسية متعددة الجنسيات، ولا اختراقات أكثر في آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا. لقد بنت أحدث الشركات المبتدئة في وادي السيليكون ما يكفي من الزخم لدعم الحديث عن ''فقاعة'' جديدة. وكان تطوير تقنيات الغاز غير التقليدية أهم ابتكار وحيد من الناحية الاقتصادية في الأعوام القليلة الماضية، وهو فتح تولت فيه الشركات التي توجد مقارها في الولايات المتحدة زمام القيادة. وكل هذه المعايير التقليدية للقوة تدل على أن البلد يعمل بشكل ممتاز.
لكن من ناحية أخرى تلقت القيم الأمريكية ضربة. كانت الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها من أجل الاستقرار والازدهار في العقود الأخيرة، ليس فقط لأن طبقتها المتوسطة هي الأكبر في العالم، أو لأن جنودها هم الأفضل تجيهزاً، أو لأن تكنولوجيتها هي الأكثر تقدماً وتطوراً. المصدر الحقيقي لأهميتها الدائمة هو أن هذه الميزات نتاج ثانوي لإيمانها بالديمقراطية الليبرالية، وبحكم القانون، وبالمشاريع الحرة المدفوعة بالسوق.
لم ينته الاتحاد السوفياتي تحت ثقل الولايات المتحدة الاقتصادي وقوتها العسكرية. لقد تمزق على يد ملايين المواطنين السوفيات الذين طالبوا بتقرير المصير الذي وعدهم به لينين في وقت من الأوقات ولم تمنحه لهم القوة السوفياية. لم تكن دبابات أمريكا، بل مُثلها هي التي هدمت الجدار في برلين.
صحيح هذه المثل بريقها في السنوات الأخيرة. فقد بدأ القرن الجديد بعمليات اقتراع مختلف عليها وبانتخابات رئاسية تقررت نتيجتها في المحكمة، وهو مشهد جعل من الصعب على الأمريكيين أن يدافعوا عن الديمقراطية في الخارج. وولدت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الدعم حول العالم، لكن فتح سجن خليج جوانتانامو، وفضيحة سجن أبو غريب، ومقتل المدنيين في هجمات تشنها طائرات من دون طيار داخل باكستان ألحقت ضرراً دائماً بقدرة أمريكا على الدفاع عن القانون الدولي وعن حقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، تسبب انهيار شركتي إنرون وويرلدكوم، والأزمة المالية لعام 2008، وعمليات إنقاذ المجموعة الدولية الأمريكية AIG وشركات صنع السيارات في تقويض الثقة بالرأسمالية على الأسلوب الأمريكي. وفي الوقت الذي يكافح فيه اقتصاد الولايات المتحدة لاستعادة الوظائف التي فقدت، نهضت الصين وتعافت.
هذا العام يجري باراك أوباما وخصمه الجمهوري في الانتخابات الرئاسية نقاشات ومناظرات مطولة حول طبيعة قوة الولايات المتحدة. لن يكون من السهل إيجاد اختلافات حول تفاصيل خططهما الخاصة بالسلام في منطقة الشرق الأوسط، أو حول الصين، أو إيران أو كوريا الشمالية، لكن الاختلافات في رؤيتيهما للدور الذي ستلعبه أمريكا في العالم ستكون واضحة جداً. سيجادل أوباما بأن استعادة عافية البلد الاقتصادية ضرورية كي تنشر الولايات المتحدة قوتها في الخارج، وأن القيم من دون قوة لا يمكن أن تدعم السياسة الخارجية. ولن يستخدم التعبير الأخرق من الناحية السياسية ''القيادة من الخلف''، لكنه سيبشر بمبدأ الالتزام المحدود الذي أطاح بمعمر القذافي من دون خسارة حياة أمريكي واحد وبأقل مساهمة من دافعي الضرائب.
وسيرد متحدوه بأن القوة من دون قيم تترك أمريكا من دون هدف، وأنها يجب أن تظل بلداً ''استثنائياً'' ويجب أن تدافع عن قيمها في كل مكان يتم تحديها فيه. ستفشل رؤية أوباما في أن تكون مصدر إلهام. وسيتجاهل خصمه ببساطة الضرر الذي لحق بصدقية الولايات المتحدة على مدى عقد من الزمن، وبفاعليتها، وبتسامح الجمهور الأمريكي فيما يتعلق بالالتزامات الجديدة في الخارج.
إن قيم بكين لا تمثل مثلاً أعظم. إنها تروق فقط لأولئك الذين يحلمون بالاحتفاظ بالقوة والتلاعب بالأسواق لتحقيق مكسب سياسي أو شخصي. إن عشرات آلاف الاحتجاجات التي تندلع كل عام في الصين توحي بأن الناس يتوقون لشيء أبعد من الاستقرار والنمو المدفوع من قبل الدولة. ومثلهم مثل المتظاهرين في روسيا وسورية وفي بلدان أخرى، يريدون حكومة تستجيب لمطالبهم، يريدون فرصة لخلق ثروتهم ونظاماً يحترم حقوقهم ويوسع حرياتهم.
ولكن لنكون واضحين: ما زال العالم في حاجة للمثل الأمريكية. والأمر يرجع إلى الرئيس المقبل لانتهاز الفرص لترجمة ما يعظ به الأمريكيون إلى أفعال.
الكاتب رئيس مجموعة يوراسيا ومؤلف كتاب ''نهاية السوق الحرة''

تعليقات