الصناعة البنكية تعيد العولمة في زي جديد .. بقلم باتريك جنكنز

الاقتصاد الآن

456 مشاهدات 0

العولمة

في عام 2008، حين اندلعت الشرارة الأولى للأزمة المالية، أصبح تعبير ''إزالة العولمة'' بسرعة موضوعاً لمناقشات يسودها الخوف بين زعماء العالم السياسيين والاقتصاديين البارزين. فهل تضرب الأزمةُ التجارةَ العالمية وتشعل فتيل الحمائية إلى درجة حدوث انقلاب عكسي في عملية عولمة اقتصادات العالم التي بدأت منذ عقود؟

بالتأكيد هذا الاحتمال بدا واقعيا. صحيح أن أحجام التجارة تتسم بالتقلب منذ فترة، لكن الواقع لم يبلغ في حقيقة الأمر مرتبة إزالة العولمة بأية صورة ممكنة. فقد بقي عدد كبير من فنيي التمديدات الصحية البولنديين في لندن. ويظل المتحدرون من العرق اللاتيني أكبر أقلية وأسرعها نمواً في الولايات المتحدة. لكن أهم ما يلفت النظر في هذا الأمر هو أن الشركات الكبرى في العالم مستمرة في توسيع الأعمال التي تولدها خارج أسواقها المحلية.

مثلا، خذ وول مارت، الشركة الأمريكية المختصة في مبيعات التجزئة، التي حققت إيرادات تزيد على 400 مليار يورو في السنة المالية الأخيرة. تُعرَف هذه الشركة باسم أسدا في بريطانيا، وباسم وول مِكس في المكسيك، وهي تتوسع على المستوى الدولي بمعدل يزيد ثلاث مرات عن معدل نموها في الولايات المتحدة. وهناك اتجاه عام مماثل نراه بوضوح في قطاع النفط – تتمتع شركة إكسون موبيل، وهي أكبر شركة نفطية من حيث الرسملة السوقية، بأعمال مزدهرة في كل مكان، لكن الشركة تحقق أسرع المعدلات نمواً خارج سوقها المحلية. وبالنسبة لشركة تويوتا لصناعة السيارات، فإن عملياتها الدولية في أوروبا وآسيا ومناطق أخرى تعوض عن المشاكل التي تعانيها الشركة في اليابان.

مع ذلك، ما من شك في أن عملية إزالة العولمة ضربت بجذورها في ناحية أساسية من الاقتصاد. فالبنوك العالمية، بفضل المزيج القوي الذي يجمع بين الإصلاحات التنظيمية والإصلاحات المفروضة ذاتياً، تنسحب الآن من كثير من عملياتها الممتدة إلى مساحات بعيدة في الخارج.

ويستنتج كثير من الناس الآن أن المراهنات طويلة الأجل في الأسواق البعيدة ليست ذات شأن. وفي الأسبوع الماضي أصبح بنك بي إن بي باريبا أخر بنك أجنبي يتراجع عن وجوده في قطاع التجزئة المصرفية في روسيا، في أعقاب قرارات مماثلة من قبل البنكين البريطانيين، باركليز وإتش إس بي سي. كذلك انسحب رويال بانك أوف اسكوتلاند، البنك البريطاني المعتل، من عدد من الأسواق، خصوصاً في آسيا. وقلص بنك سيتي جروب عملياته وخفض عدد الموظفين في آسيا ومختلف أنحاء أوروبا. ومن الممكن أن ينتهي المطاف ببنك إتش إس بي سي إلى الانسحاب من نحو ثلث البلدان، البالغ عددها 80 بلداً، التي مارس فيها يوما ما عملياته المصرفية الرئيسية.

في الوقت نفسه تعمل كثير من البنوك الآن – كونها واقعة تحت الضغط حتى تقلص متطلباتها الرأسمالية تمشياً مع القواعد التنظيمية الجديدة المتشددة – على الانسحاب من مناطق معينة، خصوصاً في مجالات المصرفية الاستثمارية التي تتطلب الاستخدام المكثف لرأس المال. وهذه البنوك الاستثمارية نفسها، التي كانت تتباهى قبل خمس سنوات بأنها تمثل جميع الأشياء لجميع الناس في جميع الأسواق، تعترف الآن بأنه ربما يحسن بها أن تتخلى عن عمليات الاندماج مع البنوك الاسكندنافية، أو عمليات الاستحواذ على البنوك الفرنسية، وتتركها لأهل البلاد.

وتهدد القوانين التنظيمية غير المكتملة بأن تجعل الأمور أسوأ من ذي قبل، إذ يشتكي المصرفيون من أنه في الوقت الذي تبتعد فيه بلدان ومناطق معينة عن الالتزام بقواعد بازل 3 الجديدة العالمية (والتي تفرض متطلبات أكثر تشدداً – في بريطانيا والسويد وسويسرا – إلى جانب الضرائب الجديدة المحتملة على التعاملات المالية، مثلما يهدد الاتحاد الأوروبي بأن يفعل)، فإن هذا يؤثر سلباً على قدرة البنوك على توفير خدمات عالمية على مستوى متكافئ مع البنوك المنافسة في السوق المحلية.

وكما هو الحال دائماً، هناك قدر معين من التظاهر المفيد لخدمة الذات في هذا الأمر، على اعتبار أن البنوك تسعى ما أمكن إلى تقليل التغيرات المفروضة على عملياتها، لكن توجد هنا نقطة سليمة ومنطقية تماماً. إن أكثر العلامات وضوحا على إزالة العولمة بين الناس تظهر في أسواق التمويل، حيث ابتعدت صناديق الأوراق المالية قصيرة الأجل في الولايات المتحدة زرافات ووحداناً عن تمويل البنوك الأوروبية. كما أن البنوك القوية، التي تشعر بالتوتر من عمليات الإقراض بين البنوك، خصوصاً عبر البلدان، تلجأ إلى إيداع الأموال الفائضة بكميات قياسية لدى البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي.

هل لأي من هذه الحركات أهمية؟ الجواب هو نعم بالتأكيد. وفي حين يبدو أنه لا ضير في القول إن العولمة – من حيث التجارة وطموح الشركات وحرية الحركة لليد العاملة – لم تتأثر حتى الآن بصورة أساسية بفعل الأزمة وحالات الركود الاقتصادي التي أعقبتها في مختلف أنحاء العالم، إلا أن هذا الاتجاه العام لا يمكن أن يستمر إذا كانت البنوك تسير في الاتجاه المضاد. فعلى أقل تقدير ستجد الشركات الدولية، التي هي أكبر محركات الاقتصاد العالمي، أن خدماتها البنكية في المستقبل ستتراجع كفاءتها وتصبح مفككة وأكثر تكلفة.

والنهاية السيئة للبداية السعيدة بالنسبة للشركات الدولية الغربية، والبنوك الغربية التي كانت تعتمد عليها من الناحية التقليدية، هي أن حدوث تصدع في تلك العلاقات لن يكون من شأنه إلا تكبير المنافع التي تتراكم على الشركات سريعة النمو في بلدان الأسواق الناشئة، مثل الصين.

ولأن البنوك الغربية، بما فيها بنك جولدمان ساكس نفسه وبانك أوف أمريكا ميريل لِنتش، تنسحب من الصين، كجزء من خطة عامة للتقشف وتحسين كفاءة رأس المال، فإن الطريق مفتوح الآن أكثر من أية فترة مضت أمام البنوك الصينية الكبيرة من أجل متابعة عملائها من الشركات إلى خارج الصين وأن تصبح هي الجيل الثاني من البنوك العالمية.

إن الهيمنة العالمية للبنوك الصينية، وهي أمر تنبأ به المحللون منذ فترة طويلة، يرجح لها أن تأتي من خلال هذا النوع من الشراكة الهادئة المدفوعة بحركة العملاء، على نحو يفوق كثيراً ما يمكن أن يأتي عن طريق عمليات الاستحواذ المتهورة. وحين يحدث هذا، أو إن حدث هذا، فربما لن تكون الصناعة البنكية قد دخلت في إزالة العولمة. كل ما في الأمر أنها ستعاد عولمتها بشكل آخر.

الآن : الاقتصادية

تعليقات

اكتب تعليقك