حقيقة ما حصل في تيماء بتظاهرة الأول من مايو

زاوية الكتاب

كتب 3924 مشاهدات 0


حقيقة ما حصل في تيماء يوم مظاهرة البدون السلمية في الأول من مايو 2012

 

د. فاطمة المطر

 

تُمزق قلبي حرقةً و ألماً عندما قرأت تصريحات الداخلية في الجرائد عن ما حصل في مظاهرات تيماء يوم الثلاثاء السابق, إن درجة التلفيق في الحقائق الذي وصلت له الداخلية مخيف و مثير للقلق, كيف نأمن على أنفسنا و أرواحنا وأبنائنا تحت ظل ممن يفترض فيهم الصدق و الأمانة إن كانوا هم نفسهم من يغير في الحقائق ليضطهد الضعفاء؟ أنا كنت هناك و رأيت كل شيء بأم عيني, و لن أنخدع بما يكتبه الإعلام. و هاهو تقريري الكامل عن ما حصل في تيماء يوم الثلاثاء الأول من مايو 2012 و ليس لدي أي دافع أو مصلحة شخصية في تضخيم الأحداث أو تغييرها, هذه هي الحقيقة من دون أي تلفيق أو رياء.

قررت في يوم الثلاثاء 152012 أن أتوجه إلى تيماء و أتظاهر مع إخواني البدون, وصلت إلى تيماء في الساعة الثالثة ظهراً. و تفاجأت بأن هناك مدرعات و دوريات و قوات خاصة مسلحة و هليكوبتر, كان هناك جيشاً كاملاً بعتاده على الرغم من أن المتظاهرين البدون أعلنوا مراراً و تكراراً أن تظاهرهم سيكون سلمياً. أردت أن آخذ صورة للقوات الخاصة وهي تستعد لما هو أشبه بمعركة دامية بدلاً من مظاهرة سلمية, و ما أن رفعت كاميرة الهاتف إلى الأعلى وإلا بدوريات تحاوطني و رجال شرطة و مباحث و قوات خاصة و جميعهم يصرخون في وجهي و بأعلى صوت 'ممنوع التصوير' و 'لماذا أنتِ هنا' و 'من أنتِ'  و 'ماذا تريدين' ..! عرفت نفسي بهدوء و قلت بأنني دكتورة في القانون العام من كلية الحقوق جامعة الكويت وأنني هنا لأنني أريد مشاركة البدون في مظاهرتهم السلمية, وأردت إلتقاط صورة حتى يرى من ليس هنا في تيماء كيف أن هناك جيش كبير يستعد لردع بضعة أشخاص مسالمين ضعفاء, فقاموا بتهديدي و طلبوا مني أن أرافقهم إلى المخفر وأن أعطيهم هاتفي الذي أردت أن أصور به و أخذوا بطاقتي المدنية و سجلوا بياناتي و هددوني بتهمة التصوير من دون ترخيص! فقلت لهم أنه ليس هناك أي قانون يمنع التصوير و بالتالي فأنا لم أخالف القانون أبداُ.

فكر العقيد الذي كان يخاطبني قليلاً, ثم قال: 'إذا لم يكن هناك قانون يمنع من التصوير فسأذهب بك للمخفر على تهمة مخالفة أوامر رجال الأمن' , رديت عليه و قلت له بأنني لا أريد مخالفة أي أوامر لكنني أريد معرفة لماذا يتم اقتيادي للمخفر؟ في هذه اللحظة أتى السيد 'مبارك الدبداب' وهو ناشط سياسي ممن لا يتخلفون أبداً عن أي مظاهرة أو إعتصام وطني, و بدأنا نحن الأثنين نحاول إقناع العقيد بأنني لم أرتكب أي جرم. صرخ العقيد في وجوهنا و اتهمنا بأننا نخون أبناء الوطن من الجنود و نضع صور لهم على 'تويتر' لنظهرهم بصورة لا أخلافية و نُشهِر بهم و نقنع الناس بأنهم مخطئون في حق البدون. قلت له: 'إن كنتم ترون أن ما تفعلونه هو الصواب فلماذا الخوف؟' رد علي غاضباً بأنه مأمور بالقيام بهذا العمل و أنه مجبور. فرديت عليه و قلت أنه في هذه الحالة اللوم ليس عليه شخصياً و إنما اللوم على من يوجه له الأوامر. لم يقلل هذا من غضبه و أخذ يصرخ: 'أنتِ لا تعرفين ماذا يحصل عندما يقوم أمثاكِ بنشر هذه الصور على 'تويتر' المواطنون يكرهوننا و يمقتونا, و يتعرضون للجنود بالإهانة و السباب, أنتِ مواطنة و المفروض أن لا تسمحي لذلك أن يحصل' . ألزمني بمسح الصورة و إلا سيقودني إلى المخفر! أردت أن أرد و أقول له بأنه هو و أعوانه يقومون بالتعرض للبدون و بإهانتهم و ضربهم و سبهم و إنتهاك حرمات بيوتهم منذ أعوام طويلة,  فكيف لا يرضى لأحد أن يحتج على أسلوبه وأسلوب جنوده الوحشي في قمع البدون؟ و لكنني لم أفعل لأنني رأيت بأن ردي هذا لن يزيد الوضع إلا سوءاً و لن يؤدي إلا إلى زيادة حساسية الموقف , فسَكَت ومسحت الصورة الوحيدة التي أخذتها والتي لم تكن واضحة أصلا لبعض المدرعات. سجل أحد أعوانه بياناتي و بيانات السيد مبارك الدبداب. وقال لي بأنه يجب علي أن أبتعد عن هذا المكان, فرديت عليه و أصريت بأنني لن أذهب و أنني سأشارك أخواني البدون مظاهرتهم. عندما رأى القوات الخاصة أنني مُصِرة طلبوا مني أن أقف بعيداً و أشاروا إلي أن أعود إلى الوراء فامتثلت لأوامرهم وذهبت ووقفت بعيدا في المكان الذي حددوه لي. ثم أتوا ثانية و طلبوا مني أن أعود للوراء أكثر, فامتثلت لطلباتهم, ثم عادوا مرة ثالثة و طلبوا مني العودة للوراء أكثر, ففعلت. بدأ بعض الشباب البدون بالقدوم ولم يكونوا يحملون أي شيء على الإطلاق, لم يكن معهم لوحات أو 'بوستر' أو أعلام أو أي شيء. فوقفوا في المكان المخصص لهم و لم يتعدوه و بدأوا يغنون النشيد الوطني. بعدها صاحوا 'جرية, حرية, سلمية, سلمية, سلمية..' و قمت بترديدها معهم , وبعد ذلك غنوا وغنيت معهم 'نبيها منك يا الأمير لا عضو و لا وزير' و رددناها معاً أكثر من مرة.. و كنا نقف صفاً واحدا, ولم نتحرك من المكان الذي خصصه لنا القوات الخاصة, و كنت أراقب الجنود, لأنهم كانوا في كل لحظة يقتربون منا أكثر فأكثر و بعدها بقليل بدأ يلبس الجنود أقنعة على وجوههم ليغطوا ملامحهم و فجأة من دون سابق إنذار ركض الجنود نحونا و أخذوا يمسكون بأي شاب يستطيعون الإمساك به و ينهالون عليه بالضرب المبرح. صُعِقت عندما رأيت هذا المنظر و تجمدت و لم أستطع الحركة لبضعة ثوانِ ثم ركضت لشاب كان يتم ضربه على التراب و تكبيل يده من قبل أربع جنود فأخذت أصيح: 'لا تضربه لم يفعل شيئا, لماذا تضربونه لم يفعل شيئا..' صرخ الجنود في وجهي 'ابتعدي.. إبتعدي من هنا' و جروا الشاب من شعر رأسه وأخذوه, ثم ركضت لآخر كان مصيره الشيء نفسه و كان الجنود يدسون رأسه بقوة في التراب و يضربونه و يكبلون يديه في نفس الوقت, فلما رفعوا وجهة من التراب كانت الدماء تسيل من فمه, فرفعوه من الأرض من شعر رأسه و أخذوه , وكنتُ أصيح و أقول 'هذا ظلم, ما تفعلونه حرام...' وأكررها  و أصرخ... والجنود يصرخون علي 'إبتعدي من هنا, إبتعدي واتركينا ننهي عمالنا' ...  أخذت أتلفت فوجدت شاب في كل زاوية يتعرض لنفس الدرجة من الظلم و البطش, وأحد الأطفال رمى بنفسه فوق أخوه الأكبر الذي كان يتلقى ضربات قاسية من مطاعات الجنود ليحميه من ضرباتهم فتلقى هو من الألم و العنف ما لا يتحمله طفل صغير بسنه... كان جسدي بأكمله يرتجف و يرتعد خوفا و حسرة وحزن وألم لما كان يحصل أمام عيني, فلم أرى في حياتي ظلماً ولا عنفاً ولا تعسفاً في استخدام القوة و لا قهرا ولا جورا ولا قسوةً ولا بطشاً كما رأيته في تيماء في ذلك اليوم, و لم أستطع تصديق عيني, فالجيش الكويتي الذي يفترض أن يحمي الشعب والوطن كان يضرب و يقمع أناس مسالمين ضعفاء.. و لماذا؟ لأنهم يطالبون بأدنى مستويات العيش؟ أم لأنهم لا ينعمون بمنازل, ولا تطبيب, ولا تعليم؟ أم لأنهم يعيشون في علب صغيرة من الألمنيوم التي لا تقي حرارة شمس ولا غبار و لا رياح ولا برودة ولا مطر؟ لأنهم لا يستطيعون العمل و لا سد حاجتهم من جوع ولا حاجتهم البسيطة من ملبس؟، أم لأنهم يعيشون من دون آمال ولا أحلام ولا تطلعات, فالحياة بالنسبة لهم محدودة, لا يستطيع أي منهم أن يطمح لشهادة يفتخر فيها أو إلى عمل يكسب قوت يومه منه, ولا يحق لأحدهم أن يأمل بوظيفة تستره و أسرته, ولا تحلم أي فتاة منهم بالأمومة والإنجاب, ولا حتى يستطيعون السفر لأداء فريضة من فرائض دينهم وهي حج البيت الحرام, ولا يستطيع طفل صغير يركض في شوارع تيماء حافي القدمين أن يثبت إسمه أو إسم والده لأن ليس لديه شهادة ميلاد تثبت وجوده.

و الأدهى و الأمر من كل ما حصل أنه في اليوم التالي قالت وزارة الداخلية بأن البدون هم من اعتدوا على رجال الأمن و أنهم هم من بدأ بالتخريب و الإستفزاز و قاموا بالإعتداء على القوات و قاموا بحرق الإطارات, و أنا أعلم حق العلم و أشهد بكل ما أوتيت من قوة بأن هذه الإتهامات ليس لها أي أساس من الصحة , لم يتعرض أخوتي البدون لأحد , بل كانوا ملتزمين بأوامر الأمن و تعليماتهم و لم يعارضوهم و لم يقدموا على أي عمل تخريبي أو مخالف للقانون. تظاهرنا في تيماء يوم الثلاثاء الأول من مايو 2012 كان سلمياً دستورياً وطنياً ولكن وزارة الداخلية و القوات الخاصة لا تحترم الدستور و لا كرامة الناس ولا ترغب بالسلام.

عزيزي القاريء , كلمات أخيرة

سمعنا كل المبررات وكل الإدعاءات و جميع الأعذار, منها: أن هؤلاء البدون دخلوا الكويت بصورة غير مشروعة, و هؤلاء البدون يريدون  الإستفادة من ثروات الكويت, و هؤلاء البدون يريدون أن يأخذوا فرصنا الوظيفية و يريدون  التمتع بما تقدمه الكويت لمواطنيها من مميزات كالقروض السكنية و قروض الزواج و البدلات و الزيادات المادية و التأمينات الإجتماعية, و من ما قرأنا و سمعنا أيضاً أن تجنيسهم و تواجدهم في مجتمعنا يخل بما أسموه 'النسيج الإجتماعي' و كأن البدون مخلوقات فضائية جاءت من كوكب آخر لتدمر الجينات الوراثية الكويتية السامية . أنا شخصياً قرأت المقالات و معظم الآراء و تابعت سياسة الحكومات و النواب المتعاقبة والتي جميعها أدت إلى النتيجة نفسها 'لا شيء'.

و لكنني أدعوا الشعب الكويتي أن يبحث عن الحقائق, أن يذهب إلى تيماء ليرى بنفسه كيف يتم ضرب هؤلاء الضعفاء حتى تسيل دماءهم, كيف يتم دس وجوههم في التراب, كيف يتم ضرب أطفالهم وإهانة نسائهم واستباحة حرمات بيوتهم التي هي عبارة عن أربع قطع من 'الجينكو'. إن الكويت دولة مسلمين و قد قال تعالى في سورة النساء: 'يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة' و قد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم: 'الناس سواسية كأسنان المشط', و قال عليه الصلاة والسلام: 'إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهليه وفخرها بالآباء, الناس كلهم بنوآدم وآدم خلق من تراب' .

إن الكويت دولة يحكمها دستور والدستور الكويتي ينص في مادة 7 'أن العدل والحرية والمساواة هي دعامات المجتمع'  ومادة 29 من الدستور تنص أن 'الناس سواسية في الكرامة الإنسانية و هم متساوون لدى القانون في الحقوق و الواجبات' ومادة 44 من الدستور الكويتي تعطي جميع الأفراد الحق في التجمع السلمي. وقد صدقت الكويت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في عام 1996 الذي ينص في المادة 21 'يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به'.

عزيزي القاريء أياً كان رأيك إتجاه البدون, أياً كانت وجهة نظرك, سواء كنت تراهم مظلومين أم إنتهازيين, فلا يصح بتاتاً ضربهم و لا إيلامهم بهذه الصورة الوحشية و إضطهادهم و رميهم في السجون من دون سند ولا تهمة و لا محاكمة عادلة.

لقد حضرت في اليوم التالي لمظاهرة البدون, التجمع الذي أقامه أهل المعتقلين الكويتيين فوزي العودة و فايز الكندري في منطقة بيان في يوم الأربعاء 252012, أمام السفارة الأمريكية للمطالبة بتحرير المعتقلين من سجون 'غوانتانامو بي' الذي يتم إحتجازهم فيها منذ عشرة أعوام من دون تحقيق و لا محاكمة عادلة. و قد تأثرت كثيراً بكلام والد فوزي العودة عندما وصف ما تقوم به أمريكا بالظلم خصوصاً أنه لم يعد يسمح له برؤية فوزي و هي أبسط حقوقه الإنسانية, و لكننا في الكويت نظلم البدون يومياً و نقهرهم و نقمعهم بكل عنف و من دون عاطفة و لا رحمة ولا عدالة , فهل يا عزيزي القاري كما ندين, ندان؟

الآن - رأي: الدكتورة فاطمة المطر

تعليقات

اكتب تعليقك