ظهر في الأندلس وبلغ ذروته مع بيرم التونسي
منوعاتالزجل أشهر فنون الشعر الشعبي وأكثرها قرباً للناس
أغسطس 8, 2007, 6:09 م 266 مشاهدات 0
يغيب عنا دائماً أن إحدي وظائف الثقافة هي التسلية.. إذ ليس صحيحاً أن الثقافة
جهامة، وأنها جد وعبوس.. ومصطلحات فخيمة لا يفهمها إلا خاصة الناس.. الثقافة هي
الموروث كله.. من عادات وتقاليد وأزياء وفنون ولغة وحكمة.. بما يشتمل عليه من
تأثيرات خارجية.. وتفاعل حي ومستمر مع ثقافات وحضارات أخري.. عملية تلاقح مستمرة
دون توقف.
وبين فنون القول الجميلة.. هذا اللون من الشعر الشعبي الذي يعرف بالزجل.. والذي
يغوص في أعقد القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية.. ببساطة وعمق في آن معاً.. هي
تسلية من نوع خاص.. وهذا ما تبينه هذه الدراسة. (الزَّجَل) كما يقول المعجم الوسيط
نوع من الشعر تغلب عليه العامية وهو لفظ مولَّد وأصله زجل الرجل، أي لعب ورفع صوته،
والزجل في أصل اللغة هو صوت الريح حين تتخلل النبات فتطلق صفيراً منغماً يشبه صوت
الناي، مما يبعث النشوة والطرب في النفوس..
وعلي هذا فالزجل لون من التسلية عن طريق اللعب بالألفاظ والمعاني مع جرس موسيقي
يدفع الناس للتغني به. يعتبر الزجل أشهر فنون الشعر الشعبي ويؤكد ابن خلدون ولسان
الدين بن الخطيب أنه ظهر في الأندلس عقب ظهور الموشحات في عهد دولة الملثمين ويبرر
النقاد والمؤرخون ذلك بأن اللغة الفصحي في العصر الأندلسي ابتعدت عن ألسنة الناس
شيئاً فشيئاً واختلطت بلغات أخري.. وللزجل أنواع عديدة لا يتسع المقال لذكرها منها:
(المواليا)، (الدوبيت)، (الكان كان)، (القوما).
يعتبر إمام أهل الزجل بالأندلس هو ابن قزمان المتوفي سنة 555هـ وكان من قرطبة وجاء
في أزجاله بالغرائب التي أحبها الناس لسهولة فهمها واتساعها للمعاني الدقيقة التي
يصعب التعبير عنها بألفاظ عربية مقيدة بالإعراب. بعد وفاة ابن قزمان انقضي العصر
الذهبي للزجل في الأندلس إلي أن ظهر بعد عشرات السنين زجالان كبيران في وقت واحد
هما »مدغليس« و»ابن الزيات«.
أما الزجل في مصر فقد مر بثلاث مراحل:
* الأولي: كان من فرسانها صفي الدين الحلي وابن سناء الملك والغباري وابن عروس.
* الثانية: كان فرسانها طائفة من الزجالين في العصرين المملوكي والعثماني منه: ابن
سودون وابن دنيال وعامر الأنبوطي وكانوا يكتبون الفصحي والعامية (الزجل).
* الثالثة: هي مرحلة الزجالين الذين ظهروا في القرن التاسع عشر والعشرين حتي وقتنا
الحالي وهم كُثُر، ولكن سنحاول الحديث عنهم مع نماذج من أعمالهم قدر المستطاع. الآن
نبدأ رحلتنا مع نماذج من الزجل، ذلك الفن الجميل بطرفة حدثت سنة 1937 حينما زار مصر
الزجال اللبناني أسعد الخوري الذي لقبوه (شحرور الوادي) ومعه فرقته فاحتفي به زجالو
مصر في حفلة تكريم بمسرح حديقة الأزبكية غنت فيها أم كلثوم وارتجل أحد الزجالين
قصيدة ترحيب قال في مطلعها: لما هلّ القطر من قليوب علينا.. شفنا قدام الوابور من
نوركو نور لولا خوفي من العَجَل يا نور عنينا.. كنت أنزل لأجل أبوس رجل الوابور
وفي القرن الماضي اتجه كبار شعراء الفصحي مثل: شوقي أمير الشعراء وإسماعيل صبري
وأحمد رامي إلي كتابة أزجال يتغني بها الناس، مما أفاد الزجل والأغاني وأدخل عليهما
كلمات عربية فصيحة. وكان أحمد رامي كلما قابل الشاعر صالح جودت قال له: »أهلاً
بالشاعر الذي لم يزجل« أي لم يكتب الزجل، وظل وراءه حتي كتب أحلي الأزجال والأغاني
لعبدالحليم حافظ ووردة.
وقد ارتبطت الأزجال في معظم الأحوال بالفكاهة والحكمة والمواويل والأغاني ولا يعيب
الزجل بصفة عامة سوي أنه يُسمع أفضل مما يُقرأ، كما أن اختلاف معاني الألفاظ
العامية من زمن إلي زمن واختلاف اللهجات في المدن والبلاد والقري يضعان بعض العوائق
أمام عشاق فن الزجل،
ونقطف لكم من حدائق الزجل بعض النماذج التي يسهل فهمها وتذوقها ولنبدأ بابن عروس
المولود في قنا سنة 1780م وكان يكتب أزجاله بالسليقة وامتاز معظمها بالحكمة
والتلاعب بالألفاظ مثل: الليل ما هواش قصير.. إلا علي اللي ينامه والشخص ما دام
فقير.. ما حد يسمع كلامه مين يبغضك لم يحبك.. ولو طعمته الحلاوة الوش للوش يضحك..
والقلب كله عداوة!! ويحكي أن الشيخ علي الليثي وكان شاعر الخديو إسماعيل ونديمه
اغتاظ يوماً من أحمد باشا خيري »المهردار« ـ أي حامل الأختام وهي وظيفة كبيرة آنذاك
ـ فكتب ورقة بعث بها إليه وفيها هذا الزجل: كان لي طحونة جوا الدار.. تدور وتطحن
ليل ونهار دورت فيها الثور عِصي.. علقت فيها »المهر« دار
وتعرض محمد بك عثمان جلال الشاعر والزجال والمترجم لظلم في عصر الخديو توفيق، حيث
تأخرت ترقيته عدة سنوات فكتب إلي رياض باشا رئيس الوزراء هذا الزجل: الخير علي
الناس عمّ وفاض.. وكل إنسان استكفي إلا أنا يا سيدي رياض.. »وقعت من قعر القفة«!!
وبظهور عبدالله النديم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر حدثت طفرة كبيرة في فن
الزجل بما أضافه النديم من خفة ظله وفكاهته وسخريته اللاذعة ومن ذلك قوله عن خليل
أغا كبير الأغوات في قصر الوالدة باشا ـ (أم الخديو إسماعيل): شوف الأغا في
النغنغة.. زي التيران في المزرعة لو كنت أنا صاحب الأغا.. كنت اشتريت له بردعة ونشر
النديم في مجلته »التنكيت والتبكيت« زجلاً نقدياً رائعاً بعنوان »شرم برم« في 7
أغسطس 1881م يقول فيه: أهل البنوك والأطيان.. صاروا علي الأعيان أعيان وابن البلد
ماشي عريان.. ما معاه ولا حق الدخان! شرم برم حالي غلبان الحق عندك يا أخويا.. يللي
طليت وشك بوية ولبست سروال أبو أويه.. ومشيت تقلد لي النسوان! شرم برم حالي غلبان
بعنا العمايم بالطرابيش.. والعري بالتوب المنقوش صبحت بلادنا للمغشوش.. مورد
وصانعها ظمآن! شرم برم حالي غلبان نال هذا الزجل شهرة واسعة وصارت كلمة (شرم برم)
شائعة علي كل لسان حتي وقتنا الحالي.
خرج من عباءة عبدالله النديم كثير من الزجالين يطول الحديث عنهم لذا سأكتفي ببعضهم
ونماذج ما قالوا ومنهم الشيخ أحمد القوصي الذي قال سنة 1907: الضحك ياما ع الدقون..
وانت يا مصري تستحق في كل يوم بنشوف أمور.. ابن البلد منها انفلق ومن ألطف الشعراء
الزجالين خليل نظير ومن أزجاله سنة 1910: قالوا الشتا فصل السرور والفرفشة.. وجروا
ريقنا ع السهر بعد العشا وع المجانسة والهزار والنغمشة.. والله مين قال الكلام ده
ما اختشي هو الشتا فيه إلا ذل وشحططة.. ورعش جسم وكسر قلب ومرمطة والبهدلة وقلة
مقام مع لخطبة.. يا عم ده الصيف للفقير ستر وغطا أما الزجال محمد عبدالنبي رئيس
رابطة الزجالين سنة 1932 فيقول: مكتوب علي جبيني إعلان.. ممنوع دخول النقدية!! أنضف
من الصيني بزمان.. يشبه لشركة مصفية هدومي تشبه للغربال.. مترقعة بخمسين رقعة وسخة
ومليانة أوحال.. بقعة هنا وهناك بقعة طربوش مقلوب ميت مرة.. أزعر مطبق ومزفت له
جلدتين جوة وبرة..
ومن العرق شكله مزيت أما الشاعر الحلمنتيشي الشهير حسين شفيق المصري المتوفي سنة
1948 فله أزجال عال العال يصول فيها ويجول بأسلوبه اللذيذ المرح منها: حبيت جميل ما
أشوفه.. ريقي بيجري أبص له ونفسي في بوسة.. مش مستجري لون القمر والخد أحمر.. شكل
الوردة طري وناعم وملظلظ.. زي الزبدة نفسي في يوم آخد »قطَّة«.. وأطلع أجري حبيت
جميل لما أشوفه.. ريقي بيجري ويظل عمنا حسين شفيق المصري »سارحاً« بنا ويصف في جمال
حبيبه وحلاوته عندما »يتأمر« و»وشه يحمر« وفي النهاية يفاجئنا أن حبيبه هو »رغيف
العيش« حيث يقول: تعرفشي مين ده اللي بحبه؟.. ده رغيف العيش كنز الغني ومال
الفقرا.. وذخيرة الجيش تحترمك الناس بوجوده.. لو تلبس خيش وطبعاً هذا كان أيام زمان
عندما كان رغيف العيش عليه القيمة في الوزن والطعم واللون والشكل والحمد لله. إن
عمنا شفيق المصري مات قبل أن يري رغيف العيش في زماننا هذا وقد أصابه السل والشلل
وأيضاً الجرب.. اللهم احفظنا.
القاهرة: الآن

تعليقات