سمو وعلو القضاء تسمو وتعلو عليه سيادة الأمة
زاوية الكتابالجدعي: فحص المحكمة الدستورية لمحاور الاستجواب يخرج عن اختصاصها أصلاً ونصاً
كتب أكتوبر 25, 2011, 11:52 م 4809 مشاهدات 0
تعليقاً على (القرار) الصادر من المحكمة الدستورية برقم 10/2011بناءً على الطلب المقدم من مجلس الوزراء لتفسير نصوص المواد (100) و(123) و (127) من الدستور، أنظر للرابط:
http://www.alaan.cc/pagedetails.asp?cid=30&nid=85932
كتب د. فواز الجدعي أستاذ القانون الدستوري في جامعة الكويت دراسة حول القرار، في ما يلي نصها:
مقدمة:
أن الأحكام القضائية وإن كانت عنواناً للحقيقة ولكن هذه الدراسة تأتي من باب الحق في استعمال حرية التعبير فيما يتعلق بالبحث الأكاديمي، كما تأتي تطبيقاً لنص المادة 147 من قانون الجزاء الكويتي التي قررت انه (ولا جريمة إذا لم يتجاوز فعل المتهم حدود النقد النزيه الصادر عن نية حسنة لحكم قضائي سواء تعلق النقد باستخلاص الوقائع أو تعلق بكيفية تطبيق القانون عليها).
وإن كان موضوع الدراسة يحتاج إلى صفحات عديدة لمحاولة استجلاء معاني القرار الصادر ومقارنتها بما ثبت نصاً وتواتر عرفاً في فهم القواعد المقررة في الدستور الكويتي والقواعد الثابتة في الأنظمة البرلمانية ولكن محاولة منا لتبسيط المسألة قد نتقاضى عن الولوج في بعض المسائل الفقهية وقد ندرأ التنازع في ما تختص به المحكمة أساساً وأصلاً وإن كنا سنشير إليه إشارة المستعجل المستعرض.
ونحن من أشد المؤيدين لمبدأ سمو وعلو القضاء ولكن تسمو وتعلو عليه سيادة الأمة المقررة في المادة 6 من الدستور الكويتي.
إن مما لاشك فيه ولا ريب أن الآباء المؤسسون للدستور الكويتي أثاروا إعجاب العالم المحيط بما قرروه في الدستور، ولا شك أن الفاحص لمحاضر لجنة صياغة الدستور ولمضابط جلسات المجلس التأسيسي سيعلم أنهم عندما أدرجوا المصطلحات والمبادئ والقواعد الدستورية والسياسية إنما أدرجوها وهم على بسطة في العلم ،ومكنة في الفهم لذلك نحيل إلى تلك المضابط ليرى كل فرد في المجتمع الكويتي (باعتبارهم مصدر السلطات) حقيقة كل نص من نصوص الدستور تمهيداً للوصول إلى المعنى المراد من وراء صياغتها.
يأتي هذا القرار نتيجة طلب من الحكومة كرد فعل على استجواب تم تقديمه من النائبين أحمد السعدون وعبدالرحمن العنجري لرئيس مجلس الوزراء وهو من أربعة محاور ولكن تم تأجيل البت في الاستجواب حتى صدور قرار تفسيري من قبل المحكمة الدستورية.
الدراسة:
إن الدساتير هي من تنشأ السلطات العامة في الدولة ( التنفيذية والتشريعية والقضائية) وهي من تحدد حدود اختصاص كل سلطة وكيفية عملها فإن مارست هذه السلطة أو تلك عملاً خارج الإطار الدستوري فإنها تعتبر مغتصبة للسلطة مخالفة لمبدأ المشروعية. فالتزام كل سلطة بحدود اختصاصها هو شرط أساسي لضمان بقاء هذه السلطة وإلا فإن أي عمل لها بمخالفة هذه الشرط يعتبر تجاوزاً في معيته انقلابا على نصوص الدستور التي تسمو على القواعد والقانونية وتسمو على من أنشأت من السلطات.
والسلطة القضائية وهي المعنية بضمان تطبيق نصوص الدستور وعدم مخالفة قواعده تكون هي الفيصل وهي الضامن الأساسي لبقاء الدستور بعيداً عن مساومات العمل السياسي وتنازلات العلاقة البرلمانية فهي التي تضمن مبدأ سمو الدساتير وضرورة احترام المشرع القانوني للقواعد الدستورية ولها في سبيل ذلك أن تقرر عدم دستورية القوانين متى ما خالفت نص من نصوص الدستور وأن كان النص القانوني مقرراً لميزة لها فيجب عليها دائماً وهي كذلك الانتصار للدستور.
ولكن السلطة القضائية كغيرها من السلطات يقع عليها نفس الالتزام فهي من خلقْ الدستور فهو من يقرر لها ولا تقرر له وهو من يحدد لها ولا تحدد له.
1- اختصاص المحكمة الدستورية بتفسير نصوص الدستور (استقلالاً):
يجب الحديث أولا عن النص الذي أنشأ المحكمة الدستورية قبل التطرق إلى صلاحيات المحكمة، فالمادة 173 قررت:
' يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويبين صلاحياتها والإجراءات التي تتبعها. ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح. وفي حالة تقرير الجهة المذكورة عدم دستورية قانون أو لائحة يعتبر كأن لم يكن'
ويلاحظ من النص الأتي:
1-أنه حدد اختصاص المحكمة بوضوح فقرر (الفصل في المنازعات المتعلقة بالدستورية) سواء للقوانين أو اللوائح ويتضح أن اختصاص المحكمة لا ينعقد ما لم يتوافر عنصرين:
أ- وجود نص قانوني أدنى من الدستور سواء كان قانون أو لائحة يكون مستوفي للشروط الشكلية لنفاذه ويكون قيد التطبيق.
ب- أثناء تطبيق النص التشريعي أو اللائحي تثور مسألة تعارض ومخالفة هذا النص لقاعدة أو نص دستوري مما يستوجب (الطعن) فيه أمام المحكمة أو الجهة القضائية كما نص الدستور، فلا بد من وجود دعوى عينية يختصم فيها التشريع أو اللائحة المراد الحكم بعدم دستوريتها.
2-أنه حدد أطراف من لهم الحق في الذهاب إلى تلك الجهة وهم (الحكومة وذوي الشأن) فقط ومن المنطق انه ليس للحكومة ولا لذوي الشأن حق الذهاب للمحكمة الدستورية إلا بناءً على طعن مقدم متعلق بدستورية قانون أو لائحة.
فيظهر تساؤل لماذا استبعدت المادة 173 من الدستور مجلس الأمة كطرف يحق له الذهاب للمحكمة الدستورية كحال الحكومة؟
إن إجابة هذا السؤال تعتبر الفيصل في أن المشرع الدستوري لم يقم بذهنه ولم يراد للجهة القضائية أن تقوم بتفسير مواد الدستور استقلالاً، وأن اختصاصاها الوحيد ينعقد فقط لنظر دعوى عدم الدستورية ولا محل للطلبات التي تقدم فضلاً عن القرارات التي تصدر رداً على تلك القرارات.
فإعطاء الحكومة وذوي الشأن حق (الطعن) أمام تلك الجهة أمر منطقي وذلك كرد فعل على قانون يشتبه بعدم دستوريته من جانب الحكومة أو كرد فعل على قانون أو لائحة يشتبه بعدم دستوريتها من جانب ذوي الشأن ( الأفراد)
كما أن الأكثر منطقية هي عدم إعطاء مجلس الأمة حق الطعن في القوانين المشوبة بشبهة عدم الدستورية لأن لو أراد مجلس الأمة إلغاء النص فليس عليه سوى إصدار قانون جديد. بذلك لا يكون هناك أي تنازع من نوع أخر ينعقد معها اختصاص المحكمة الدستورية معه.
فالنزاع السياسي حول تفسير مادة من مواد الدستور بين الحكومة والمجلس يعتبر خارج اختصاص المحكمة بل أنه من أسس العمل البرلماني ولا يقوم دور المحكمة أثناء هذا الخلاف إلا إذا نتج عنه أثر قانوني (بسن قانون نافذ مشوب بعدم الدستورية) عندها ينعقد لها لواء الاختصاص بنظر مدى دستورية هذا القانون أو تلك اللائحة.
3-إن عبارة ( الفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين أو اللوائح) لها مفهوم اصطلاحي لا يجوز التوسع فيه وذلك لأن المشرع الدستوري منزه عن الخطأ والزلل في حبك الألفاظ والمباني. فإن كان للكلمة المراد تفسيرها معنى اصطلاحي فلا يجوز بعدها الذهاب والتوغل في المعاني لاستجلاء الغموض الوارد على النص. بناءً عليه يحمل النص على مبناه الاصطلاحي ولا يتأول بطريقة لا حمد فيها. فيكون المراد من كلمة المنازعات هي الدعاوى المتعلقة بدستورية قانون أو لائحة لا مجرد خلاف سياسي لا تكاد تخلوا منه جميع الأنظمة البرلمانية في العالم.
ولكنا نجد انه قد قررت المحكمة الدستورية في قرارها السابق في الطلب رقم 3/1986 أن:
'... وعلى ذلك فإن المنازعة الدستورية التي أشارت إليها المادة (173) من الدستور ليست قاصرة على مجرد الطعن في دستورية تشريع ما، وإنما (تتسع أيضاً لتشمل تفسير النص الدستوري بصورة مستقلة) ذلك أن طلب تفسير نص دستوري أنما يحمل في ثناياه (وجود منازعة حوله وتباين وجهات النظر فيما تعنيه عباراته) ويكفي في هذا الشأن أن يدور حول النص أكثر من رأي على نحو يغم معه أعمال الحكومة.
فنجد أن المحكمة قامت بتأويل كلمة منازعة بمعنى اختلاف ولم تربط وتعقل الكلمة بمعناها الاصطلاحي وهي الدعوى القضائية.
ومما يدل إن عبارة منازعة لم يراد لها هذا التأويل عند صياغة الدستور أنه تم إرفاق كلمة (طعن) في العبارة ( ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة) والطعن لا يكون أبدا بطلب وإنما بدعوى ترفع حسب الإجراءات القانونية المطلوبة.
4-مما يدل أن عبارة منازعة يقصد بها فقط دعوى (عدم الدستورية ) وعلى سبيل الحصر أن المادة 173 من الدستور قد أوردت نتيجة اللجوء إلى تلك المحكمة (فالحكمة إما أن قرر دستورية القانون أو اللائحة المطعون ضدهما) أو أن تقرر عدم دستوريتها وهنا قررت المادة الأثر الوحيد وهي (اعتبار القانون أو اللائحة كأن لم تكن) . فلا يوجد أثر أخر تستطيع المحكمة أن تقرره سوى الرد بدستورية/ أو عدم دستورية النص محل الطعن.
5-ولو كان المراد بكلمة المنازعات التي تقوم بين السلطة التنفيذية والتشريعية لكانت العبارة (المنازعات الدستورية) بدلاً من (المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين).
بالتالي لا ينعقد اختصاص المحكمة بنظر طلبات التفسير استقلالاً ويكون قد أخطأ من وجهة نظرنا كل خبير قانوني أقر للمحكمة بهذا الاختصاص ولكن بالمقابل يكون للمحكمة الدستورية حق تفسير النص الدستوري في حالة رفع دعوى عدم دستورية قانون أو لائحة بمحاولة ربط القانون أو اللائحة محل الظن مع النص الدستوري وذلك بتفسير النص الدستوري لتقرير الحكم النهائي للمادة.
مثال: ليس للمحكمة أن تفسر المادة 44 من الدستور استقلالا بناءً على طلب وأنما يفترض أن يكون هناك دعوى عدم دستورية متعلقة بقانون التجمعات قد وصلت الى المحكمة بالإجراءات المطلوبة وأثناء الحكم على مدى دستورية القانون لها أن تفسر المادة 44 من الدستور في هذه الحالة لإيراد المعنى الحقيقي لها للتوصل الى ما إذا كان النص محل الطعن دستوري أو غير دستوري وبالتالي إعتباره كأن لم يكن.
ومما يدل على هناك رأي جازم واعتقاد قاطع بعدم اختصاص المحكمة الدستورية بتفسير النصوص الدستورية استقلالا انه لا يكاد اي قرار صادر من المحكمة الدستورية يخلوا من (دفع أصلي من قبل مجلس الأمة بعدم اختصاص المحكمة بتفسير نصوص الدستور استقلالا دون وجود دعوى عدم دستورية وأنه في كل قرار ترد المحكمة على هذا الدفع بأنه من اختصاصها ومازالت تفعل كذلك حتى في القرار الأخير محل التعليق).
2-ما يخرج عن اختصاص المحكمة الدستورية:
هناك عدد من الموضوعات التي تخرج عن اختصاص المحكمة الدستورية ومن بين أهم تلك الأقسام هي (الأعمال البرلمانية) ويدخل في الأعمال البرلمانية الأسئلة البرلمانية ولجان التحقيق والاستجوابات ومما يندرج ضمناً هنا هي طريقة تأويل النصوص الدستورية في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية فعندما تقوم السلطة التنفيذية بتبني تفسير معين لنص دستوري فقد ينعقد تبعاً لها مسئوليتها السياسية وبالتالي فهو يعتبر نزاع سياسي بين سلطتين وهو مما استقرت عليه الأنظمة البرلمانية ولا شيء يعني هنا السلطة القضائية لتكون طرفاً في نزاع سياسي بل ويجب عليها أن تنأى بنفسها عن هذه الخصومة السياسية التقليدية كما قررت هي بنفسها في بعض طلبات التفسير التي تم تقديمها من قبل.
بل نعتقد أن المحكمة الدستورية قد رفضت الحكم بدستورية قانون إنشاء الدائرة الإدارية رقم 20 لسنة 1981 في الطعن رقم 2/1999 بالرغم من أن اختصاصها بنظر مدى دستورية هذا القانون يقع في صميم اختصاصاتها المنصوص عليه في المادة 173 بل واعتبرته من قبيل (الأعمال السياسية).
فالاستغراب يكون في ان المحكمة الدستورية تخرج من ولاية اختصاصها ما ثبت نصاً أنه من صميم اختصاصها وفق المادة 173 من الدستور وبالمقابل تدخل في اختصاصاها ما لم يقر لها وفق صريح ذات المادة.
-كذلك تطرقت المحكمة بشكل غير مباشر لفحص مدى دستورية محاور الاستجواب لان المحكمة تعلم علم اليقين أنه لا يجوز أبداً تأجيل الاستجواب ووجوب عرضه خلال المدد المحددة في الدستور او في قانون اللائحة الداخلية لمجلس الأمة ولكننا نجد أن الاستجواب تم تأجيله دون وجود سند دستوري وأن الإجراء الذي قامت به لجنة الشؤون التشريعية ومجلس الأمة لا أساس له من الصحة.
وكذلك أوردت المحكمة في وقائع قرارها الصادر ان طلب التفسير سببه قيام النائب أحمد السعدون والنائب عبدالرحمن العنجري بتقديم استجواب لرئيس مجلس الوزراء (فلو كان طلب التفسير منعقد فقط للمواد 100 و 123 و 127 وليس لمحاور الاستجواب لما كان لزاماً القيام بتأجيل الاستجواب وما كان لزاما أن تورد المحكمة أسماء النواب مقدمي الاستجواب وهي تعلم أن التأجيل ينطوي على شبهة دستورية ومخالفة صارخة لأصل برلماني منصوص عليه نصا ومعمول به عرفا) فإن كان القرار قد حاول تفسير النصوص السالفة من الدستور إلا أنه انطوى على فحص لمحاور الاستجواب وهو ما يخرج عن اختصاصها أصلاً ونصاً.
3- التعليق على متن القرار الصادر من المحكمة الدستورية:
أ- إن أول ما يتبادر ان القرار الصادر متعلق بطلب تفسير المواد 100، 123، و127 ولم يقدم الطلب بتفسير المادة 58 صراحةً بينما نجد أن القرار قد قام أساساً على التفرقة بين المواد 123 و 58 . فكان حري بالحكومة أن تجعل في أساس الطلب ومن بين عناصره تفسير للمادة 58 وهي ما لم تفعله في الطلب محل البحث وهذا إن أجزنا لها افتراضا صلاحية تقديم الطلبات.
فالمادة 58 نصت على 'رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسئولون بالتضامن أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة، كما يسأل كل وزير أمامه عن أعمال وزارته.'
والمادة 100 'لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاتهم. ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد ثمانية أيام على الأقل من يوم تقديمه وذلك في حالة غير حالة الاستعجال وموافقة الوزير. وبمراعاة حكم المادتين 101 و 102 من الدستور يجوز أن يؤدي الاستجواب إلى طرح موضوع الثقة على المجلس'.
والمادة 123 'يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الإدارات الحكومية'
والمادة 127 'يتولى رئيس مجلس الوزراء رياسة جلسات المجلس والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة.'
فبينت المحكمة أن الخلاف الناشئ هو بسبب العبارات الوارد في المادتين 58 ( السياسة العامة للدولة) و 123 (السياسة العامة للحكومة)
ومن ثم بدأت المحكمة بمحاولة منها الى فهم مدلول كل عبارة بالاستعانة بالنظام السياسي المتبع في الدستور والمذكرة التفسيرية ومن ثم قررت وقدّرت أن مصطلح (دولة) ومصطلح (حكومة) مختلفان دلالةً ونصاً ومن ثم تم استنباط حكم جديد وهو ما أتى في الصفحة 10 (بالتالي فإن المسئولية السياسية لدى مجلس الأمة إنما تقع على عاتق الوزراء فرادى) ثم أردفت أن ( مسئولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء بالتضامن أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة)
فيكون رئيس مجلس الوزراء وفق هذا النص غير مسائل سياسياً عن السياسة العامة التي تتبعها الحكومة الا أمام الأمير ولم يعد رئيس الوزراء مسئولاً مسئولية (سياسية) أمام البرلمان وهذا ما تدعمه الفقرة ثانياً في قرار المحكمة.
وقررت المحكمة أنه كل استجواب يراد توجيهه لرئيس مجلس الوزراء ينحصر نطاقه في مجال (ضيق) وهو في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة.
ولنا على العبارات السابقة التعليقات الآتية:
1- في الصفحة 10 قررت المحكمة انه (إذا كان الأصل في تفسير النصوص القانونية وتفهم مدلولها أن تحمل ألفاظها على ما يقضي به الاصطلاح) وهنا أتى مجل التفرقة بين كلمة دولة وحكومة. فلو كان الأصل أن يعمل بالاصطلاح وهو ما نشجع المحكمة بالأخذ به ، لكان لزاماً على المحكمة أن تتبع هذه القاعدة وأن تأخذ المعنى الاصطلاحي لكلمة منازعات كما أسلفنا في أعلى الدراسة في العنصر رقم 1 والا تتوسع بأن تأول النص بمعنى اختلاف مع أن المراد بالنص الدستوري هو المعنى الاصطلاحي ولا خلاف في ذلك.
2- قررت المحكمة أن رئيس الوزراء مسئول عن السياسة العامة للدولة فقط أمام الأمير وليس أمام البرلمان مع ان هذا التفسير لا يستقيم مع نص المادة 123 محل النزاع المدعى حيث قررت المادة في أول عبارة (يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة) فما الذي أوحى لنا أن الهيمنة على مصالح الدولة لا تشمل رسم السياسة العامة للدولة بل أنه قولٌ لا يستقيم مع ظاهر النص فضلاً عن الولوج في مدلولات المعاني فلما الحاجة إلى المعنى مادام الوضوح قائم في المبنى.
أليس من له أن يهيمن عل مصالح الدولة بالتالي تكون تلك الهيمنة محل مسئولية أمام البرلمان ، هو من يضع السياسة العامة للدولة لتطبيق تلك الهيمنة وإلا كيف تكون الهيمنة على مصالح الدولة دون رسم للسياسة العامة للدولة التي قررت المحكمة أنها لا تنعقد إلا أمام الأمير في حين ألغتها أمام البرلمان وهو ما يتعارض مع نص المادة 123 صراحةً.
3- بالرجوع إلى المذكرة التفسيرية للدستور نجد أنها قد قررت في التصور العام للحكم أولاً الأتي:
'ثم نأى بالأمير عن أي مساءلة سياسية وجعل ذاته مصونة لا تمس (مادة 54) كما أبعد عنه مسببات التبعة وذلك بالنص على أن رئيس الدولة يتولى سلطاته الدستورية بواسطة وزرائه (مادة 55) وهم المسؤولون عن الحكم أمامه (مادة 58) وأمام مجلس الأمة (المادتان 101 و102).
فالحكومة برئيس مجلس الوزراء والوزراء مسئولون (عن الحكم) أمام الأمير وأمام مجلس الأمة والحكم هنا بمفهومه الشامل وهو الذي يطبق نتيجة لرسم سياسة مسبقاً
- كما قررت المذكرة التفسيرية في البند أولا / أ/ 2/ الأتي:
'وفي مقابل الضمانات المقررة لرئيس مجلس الوزراء على النحو السابق وجب النص على الا يتولى مع الرئاسة أي وزارة، وهو أمر له أهميته من ناحية سير العمل الحكومي، وبمراعاة ضخامة أعباء رياسة الوزارة (في التوجيه العام للحكم)، والتنسيق بين الوزارات واتجاهاتها، وتحقيق رقابة ذاتية يمارسها رئيس مجلس الوزراء على الوزارات المختلفة ، مما يضاعف أسباب الحرص على الصالح العام والتزام هذه الوزارات للحدود الدستورية والقانونية المقررة.
والذي يهمنا من الفقرة السابقة هي عبارة ( في التوجيه العام للحكم) فهذه العبارة قررت مسئولية رئيس مجلس الوزراء مسئولية أوسع بكثير من التي قررتها المحكمة الدستورية وهي التي جعلتها في مجال ضيق كما قررت في الصفحة 9 من القرار. فرئيس مجلس الوزراء بما أنه مسئول أمام البرلمان ( في التوجيه العام للحكم) فيكون مسئولاً في رسم السياسة في توجيه الحكم وبالتالي رسم السياسة العامة للدولة ( أمام البرلمان) فتنعقد ضمن صلاحياته مسئوليته السياسية أمام البرلمان.
كما أن المذكرة التفسيرية قررت وبحق الأتي:
' كما أن رئيس مجلس الوزراء الذي يصل برمي مجلس الأمة به ومعارضته لسياسته حد تعريض المجلس نفسه للحل ، وتعريض أعضائه أنفسهم لخوض معركة انتخابية مريرة ، ليس من الصالح العام تحصينه أكثر من ذلك أو كفالة بقائه في( الحكم) إلى أبعد من هذا المدى'
فمن وضع الدستور كان مدرك لحجم الحماية المقررة لرئيس مجلس الوزراء ولكنه قال في أخر عبارة من الفقرة السابقة أنه مع هذه الضمانات ليس من الصالح العام ان يتم تحصين رئيس مجلس الوزراء أكثر من ذلك أو كفالة بقائه في (الحكم) إلى أبعد من هذا المدى.
فلقد تم وضع هذا النص في ذلك الوقت بالرغم من ارتباط ولاية العهد في ذلك الوقت برئاسة مجلس الوزراء ألا أن النص قرر عدم الذهاب إلى حماية أوسع وأنه يفترض على رئيس الوزراء أن يتحمل مسئولياته باعتباره مسئولاً عن (الحكم) في الدولة وليس مجرد مسئول عن (الحكومة) كما قررت المحكمة الدستورية.
بل أن بالرجوع للنص الدستوري المتعلق بمسئولية رئيس مجلس الوزراء أمام البرلمان فقد قررت المادة 102 من الدستور الأتي
'لا يتولى رئيس مجلس الوزارة أي وزارة ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به. ومع ذلك إذا رأى مجلس الأمة بالطريقة المنصوص عليها في المادة السابقة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزارة رفع الأمر إلى رئيس الدولة وللأمير في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة أو أن يحل مجلس الأمة.
وفي حالة الحل إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور اعتبر معتزلا منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن وتشكيل وزارة جديدة.
قرر الدستور الكويتي عدم النص على إسقاط الوزارة بكاملها بقرار عدم ثقة يصدره مجلس الأمة ، والاستعاضة عن ذلك الأصل البرلماني بنوع من التحكيم يحسمه الأمير بما يراه محققا للمصلحة العامة. ولكن لو تم الاستجواب لرئيس مجلس الوزراء مرة أخرى بعد الحل وقرر المجلس عدم التعاون فيعتبر رئيس الوزراء معتزلاً منصبه من تاريخ قرار المجلس ( فهنا يظهر انعقاد المسئولية التضامنية لرئيس مجلس الوزراء أمام البرلمان في هذه الحالة)
ب- وهناك بعض التعليقات لنا على ما ورد في القرار من بعض العبارات ذات التوجه السياسي وهي:
في الصفحة 9 نصت المحكمة
'... وجعل لمجلس الأمة إزاء الوزراء حقاً هو المسئولية الوزارية وحقاً متفرعاً منه هو الاستجواب، وأحاطه بسياج من الضمانات والإجراءات المقيدة منعاً من التسرع والإسراف فيه والذي لا يخفى على أحد أثره وخطره في الشئون العامة للبلاد'
فالمحكمة هنا تعبر عن وجهة نظر يغلب عليها الطابع السياسي في وسائل الرقابة التي تخرج أساساً من صلاحيات المحكمة باعتباره عملاً برلمانياً يحميه من التدخل مبدأ الفصل بين السلطات المقرر في المادة 50 من الدستور.
وعبارة أخرى عندما نصت ف الصفحة 10على:
'... وإلا أصبحت جميع الأعمال التي تختص بها الوزارات المختلفة محلاً لاستجواب رئيس مجلس الوزراء عنها، وهو ما يتعارض مع صريح حكم الدستور ويفضي إلى سيل جارف من استجوابات لرئيس مجلس الوزراء، وفي ذلك ما فيه من عظيم الخطر بتعطيل الأعمال من غير حد ولا ضابط ، وإذا كان الدستور قد خول لعضو مجلس الأمة هذا الحق فإنه ليس معناه أن يتصرف كما يشاء ويهوى
فالحكمة هنا أيضاً تعتبر عن وجهة نظرها وكأنها تراقب المشهد السياسي مستقبلاً وأنه من حتميات هذا الحق إزاء رئيس مجلس لوزراء هو إحداث سيل جارف من الاستجوابات تجاه رئيس مجلس الوزراء فكأنها وضعت نفسها حكما على الاستجوابات ونصبت نفسها محل أعضاء البرلمان الذين لهم وحدهم دون غيرهم فحص مدى استحقاق الاستجوابات من عدمها وفحص كمية الاستجوابات بقلها وكثرتها من ناحية أخرى.
كما صرحت بعبارة أخرى في الصفحات 11 و 12 الأتي:
' وإن كان لعضو مجلس الأمة الحق في استجواب رئيس مجلس الوزراء فيما يدخل في اختصاصه كما لعضو المجلس الحق في أن يتخير الوقت المناسب لتوجيه هذا الاستجواب إلا أن ذلك منوط بأن تكون السياسة العامة للحكومة المراد استجواب رئيس مجلس فيها، قائمة ومستمرة باعتبارها أنها هي التي( تهم المجلس للحكم عليها)'
فقد قررت المحكمة ما يهم المجلس من عدمه ولم تترك للبرلمان حق تقرير هذه المسألة بالرغم من أن تقرير الأهمية منعقد للنواب باعتبارهم ممثلين عن الأمة بنص الدستور ولا يحق لأي جهة أن تقرر عنهم ما يعتبر مهما لهم من عدمه.
كما أن فكرة ضرورة بقاء السياسة العامة للحكومة قائمة ومستمرة لكي يكون الاستجواب مستحقاً هي فكرة قاصرة لا ضبط فيها فالعبارة المستخدمة مطاطة وتجعل تفسير المحكمة كمنهج إيضاحي أكثر غموضا من النص الدستوري المراد تفسيره.
بل أن هذه الفكرة تتصادم بشكل مباشر مع نص المادة 102 من الدستور التي قررت كما أسلفنا ' وفي حالة الحل إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور اعتبر معتزلا منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن وتشكيل وزارة جديدة'
بل أن المذكرة التفسيرية لهذه المادة أخذت معنى موسعاً لصالح البرلمان عكس الاتجاه التي اتجهت اليه المحكمة الدستورية، فالمذكرة التفسيرية قررت الأتي:
' عدم النص على إسقاط الوزارة بكاملها بقرار عدم ثقة يصدره مجلس الأمة ، والاستعاضة عن ذلك الأصل البرلماني بنوع من التحكيم يحسمه الأمير بما يراه محققا للمصلحة العامة ، (وذلك إذا ما رأى مجلس الأمة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء) (مادة 102) وبشرط ألا يصدر قرار بذلك إلا بناء على استجواب وبعد الانتهاء من مناقشته'
فمدلول نص المذكرة التفسيرية أن فكرة عدم إمكانية التعاون مع رئيس الوزراء تكفي بحد ذاتها كسبب وشعور من قبل أعضاء البرلمان بعدم القدرة على الاستمرار مع شخص رئيس الوزراء حتى أن لم يقم سبب رئيسي محدد ليكون محل مسائلة سياسية والدليل بالعبارة ( إذا ما رأى مجلس الأمة عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء) فالمشرع جعل لهذا الشعور استقلالا قيمة ولكنه تطلب أن يكون بشكل استجواب ليستكمل الشكل الدستوري المطلوب فيمكن أن يكون الاستجواب نتيجة لشعور بعدم إمكانية التعاون وليس منشئاً لها وأردف العبارة اللاحقة عندما نص ( وبشرط ألا يصدر قرار بذلك إلا بناء على استجواب) ، فكان من صياغة النص أن حالة عدم إمكان التعاون (التي هي نتيجة للسياسة العامة لرئيس مجلس الوزراء) سابقة على موضوع الاستجواب ومن ثم أتى الاستجواب ليستكمل الشكل الدستوري المطلوب لإقرار هذه الحالة أمام الأمير والبرلمان ليمكن رئيس الوزراء من الدفاع عن السياسة العامة التي يتبعا أمامهما (الأمير والبرلمان).
هذا والله أعلم وأجل فالصواب من عند الله وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان.
د. فواز الجدعي ( أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق- جامعة الكويت)

تعليقات